التحالفات السياسية رهينة توجهات السلطة وأهدافها في مصر

كثر الحديث بعد الثورات العربية عن التحالفات السياسية التي تم التأسيس لها وفق تصورات وأهداف مختلفة، ولكن أغلبها التقى عند منعطف واحد وهو التشرذم والتشتت بعد فترة من التشكل. وبإلقاء نظرة على المشهد السياسي في كل من مصر وتونس في السنوات التي تلت الثورتين (14 يناير في تونس و25 يناير في مصر) يتجلى بعمق فشل الطبقة السياسية في التأسيس لتحالفات قوية وناضجة حاملة لمشاريع متكاملة تتبنى الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، والأهم من ذلك أن تكون ذات عمر طويل.
الثلاثاء 2016/02/09
تحالفات العد التنازلي

القاهرة - يؤكد الوضع الذي وصلت إليه التحالفات والائتلافات السياسية في مصر أنها لا تزال رهينة إرادة السلطة الحاكمة، التي درجت على توظيفها لأهداف مرحلية، مستفيدة من الضعف الشديد الذي تعاني منه غالبية الأحزاب، على اختلاف توجهاتها ومشاربها، فمعظم القيادات الحزبية تبحث عن كيان أكبر، أملا أن يساعدها على تحقيق قدر من الطموح السياسي.

الأصل في تشكيل التكتلات السياسية، إما لتقوية الطبقة الحاكمة، خوفا من الاهتزاز والسقوط، أو منافستها عبر تكوين تحالف يناوئ الأولى، وربما لم تشهد مصر الشكل الأول إلا قليلا، وفي فترات زمنية متباعدة، أو شهدته بصورة غير مباشرة، من خلال تحالفات غير مكتوبة، تضمن لطبقة سياسية معينة الحفاظ على مصالحها.

لكن يظل النوع الثاني (المعارض) الأكثر حضورا في الحياة المصرية، وظهرت أدواره في مراحل مختلفة، لكنه يتهاوى بمجرد تحقيق الهدف الذي تشكل من أجله، وهي سمة يفسرها خبراء السياسة، على أنها ناجمة عن غياب الرؤية الاستراتيجية، وأنها بالأساس تنطوي على تحالفات تكتيكية، مرهونة بهدف وحيد تشكلت من أجله، وتلاشت بعده.

لأول مرة تشهد مصر محاولات تشكيل تحالف إلى جانب السلطة يقابله أو يواجهه تحالف آخر على يسارها، يسعى إلى مناطحتها، ما يعيد الزخم للحياة السياسية، ويساعدها على أن تسترد عافيتها، التي فقدت جزءا كبيرا منها، بسبب الحسابات القصيرة للنخبة السياسية.

بعد تأسيس تحالف دعم مصر داخل البرلمان الجديد، ليكون ظهيرا للسلطة الحاكمة، شرعت بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضة، أو التي لها تحفظات على الأداء العام لحكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، في التفكير لتغيير الواقع الراهن، عبر التجهيز لتدشين تحالف يقوده المرشح الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة حمدين صباحي.

والفكرة جاءت عقب زيادة الغبار الذي نثره تحالف "دعم مصر"، جراء محاولاته المستمرة للتحكم في مفاصل الحياة السياسية داخل البرلمان وخارجه.

جذور مفككة

التحالف المنتظر، الذي سيقوده صباحي، يبدو أنه مصمم على الوقوف في خندق المعارضة، مع أن ملامحه النهائية لم تتبلور بعد، إلا أن المعلومات التي رشحت ممن يقفون خلفه، تؤكد أنه يعتزم ضم أطياف مختلفة من اليسار، ويسعى لجذب شريحة كبيرة من الشباب، الذي يعزف جزء منه عن الانخراط في الحياة السياسية، اعتراضا وتحفظا وإحباطا.

التحالفات السياسية المصرية أنشأتها السلطة، أو نجحت في اختراقها، ومن ثم تسييرها في الاتجاه الذي ترغب فيه

عمرو هاشم ربيع، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قال لـ”العرب” إن التجارب التاريخية تؤكد أن التحالفات السياسية المصرية أنشأتها السلطة، أو نجحت في اختراقها، ومن ثم تسييرها في الاتجاه الذي ترغب فيه، وهو ما يمثل أحد مكونات تحللها لاحقا.

وأشار إلى أن السمة السائدة داخل تلك التحالفات التوجس والريبة من وجود مخبرين (عملاء) تابعين للنظام، ما يعد البذرة الأولى لفشلها، لأنها تشعر دائما أنها مراقبة.

وأوضح ربيع أن نجاح التحالف المعارض للسلطة الحاكمة يتطلب أن تكون له أهداف محددة، ويندرج ضمن مظلة أيديولوجية واحدة، ويبتعد عن دغدغة مشاعر الشخصيات العامة له، والتي دائما تبحث عن الزعامة، لذلك يبدأ الانشقاق والتفكك، كما أن فرصة نجاح أي تحالف في الوقت الحالي صعبة.

أما التحالف المؤيد للسلطة أو الذي يدور في فلكها، من المهم أن تكون له قواعد مشتركة راسخة، ورؤية واضحة، وأجندة للمستقبل، وإذا قام على العشوائية سوف يلحق به الانهيار سريعا.

التصورات والتصرفات التي ظهرت على تحالف دعم مصر داخل البرلمان المصري، تركت انطباعات سلبية لدى قطاع كبير من السياسيين في مصر، زادت عقب تزايد الخلافات في جسده، ورسخت التقديرات السابقة بشأن فشل التكتلات المصرية، لأن الأبعاد الشخصية بدت طاغية، كما أن التغول الذي يحاول أن يمارسه عبر بعض المؤسسات في الدولة، سوف يبقى عائقا أمام نموه، هذا وتظل تجربة الديمقراطية في مصر غير ناضجة، لاستيعاب فكرة التحالف بصورة صحيحة.

والتجربة التي يستعد السياسي حمدين صباحي لخوضها من خلال زعامته للتيار الشعبي، وتضم أحزاب الكرامة والعدل والدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي، وبعض الشخصيات العامة، يمكن أن تحرك المياه الراكدة، وتشعر النظام الحاكم أن هناك حراكا غير الإخوان في الشارع المصري.

معصوم مرزوق: الظروف السياسية الحالية لا تتيح أي فرصة للعمل الحزبي المعارض

تحالفات هشة

رغم التفاؤل الذي يسود قطاعات داخل التيار الشعبي، غير أن بعض المراقبين أبدوا لـ”العرب” عدم الارتياح لهذه الخطوة، لأن الظروف السياسية حاليا غير مناسبة لتشكيل تحالف يعارض السلطة بطريقة قوية، وقيادة التيار الشعبي لا تملك من الرصيد السياسي الذي يقنع القوى الحية في الانضمام إليها. ناهيك عن المخاوف من احتمال قفز الإخوان عليه.

وقد أكد معصوم مرزوق، القيادي بالتيار الشعبي، أن الظروف السياسية الحالية لا تتيح أي فرصة للعمل الحزبي المعارض، والسلطة ترفض أي صوت يعارضها للدرجة التي أصبحت بعض القوى تخشى على أرواح الشباب أمام تهور بعض تصرفات جهاز الأمن في تعامله مع المعارضة،

مضيفا أن التجربة الديمقراطية في مصر مازالت وليدة، ولا يمكن تقييمها عبر معايير علمية، فكل ما حدث خلال الخمس سنوات التي أعقبت ثورة يناير لم يرق إلى مستوى التحالفات بالمعنى الحقيقي للكلمة وجميعها سواء التي نشأت قبل ثورة يناير 2011 أو بعدها كانت تلتف حول شخص واحد، أو مجموعة أشخاص ليست لديهم قواعد شعبية كبيرة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، التي سبقت اندلاع ثورة يناير، العديد من المحاولات من قبل القوى المدنية والإخوان لتشكيل تحالفات لم يكن عندها حلم منافسة السلطة الحاكمة، لكن كان لديها أمل في هز القواعد من تحت أرجلها، ضمت قوى مختلفة، من نوعية التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير، والجبهة الوطنية من أجل التغيير، والجمعية الوطنية للتغيير، الأمر الذي حرك جانبا من الركود السياسي.

وفي تقدير بعض المتابعين، تلاقت رغبة السلطة الحاكمة في الفترة الانتقالية بعد ثورة يناير مع رغبة الجماعة في إضفاء المزيد من الضعف على التجربة الحزبية المصرية بإنشاء تحالفات سياسية هشة، فقيادات المجلس العسكري الحاكم في تلك الفترة كانوا يرون ضرورة توحد الأحزاب لتسهيل عملية التفاوض معها بعيدا عن الانقسامات.

وأدى تواجد الإخوان على رأس السلطة الحاكمة في مصر إلى توحد الأحزاب المدنية مرة أخرى تحت مظلة تحالف سياسي كبير حمل اسم جبهة الإنقاذ. وكان هذا التحالف الوحيد الذي تشكل دون اتفاق مع السلطة الحاكمة، لكنه تشكل بدعم من بعض المؤسسات الرسمية التي رفضت سلطة الإخوان، وكانت له أهداف واضحة ومحددة، وهي إزاحة الإخوان، كما تم بين مجموعة قوى، نجحت في تحقيق هدفها بإقصاء الإخوان عن الحكم، لكن تحالفها انهار بعد تحقيق الهدف.

وقال معصوم مرزوق إن ما تشكل أثناء فترة حكم الإخوان يمكن وصفه بـ”تحالف طوارئ وطني”، ومن بين عوامل نجاحه عدم استئثار قياداته بالرأي بمفردها، وكان الشباب المشارك له الرأي السائد، واتخذت خطوات سياسية جماعية، حتى تمكن من الوصول إلى كافة طبقات الشعب فحقق الهدف المنشود.

لكن عمرو هاشم ربيع قال لـ”العرب” إن هذا التحالف فتح الباب أمام عودة فلول نظام مبارك إلى الحياة السياسية مرة أخرى، حيث ضم في عضويته بعض المنتمين له.

اقرأ أيضا:

عماد جاد: تحالف دعم مصر مات إكلينيكيا

6