التحالف الإيراني مع الصين يكرس حالة الضعف لدى واشنطن

تواجد تحالف عسكري إيراني صيني جديد في المحيط الهندي يعتبر تطورا سينظر إليه بمنتهى الجدية من الجانب الأميركي ما يجعل المواجهة مفتوحة على كافة الاحتمالات.
الثلاثاء 2020/08/11
تشويش على معادلات واشنطن في المنطقة

يركز المتابعون باهتمام خلال الفترة الأخيرة على الاتفاقية الإستراتيجية بين إيران والصين وخاصة في شقها الأمني، والذي يثير حفيظة الولايات المتحدة، التي ستضطر على الأرجح إلى الزج بأوراق جديدة في معركتها الجيواستراتيجية مع هذين البلدين لقطع الطريق أمام محاولتهما الهيمنة في مناطق نفوذ لطالما كانت واشنطن مسيطرة عليها.

طهران- قلل خبراء سياسيون من تأثيرات الاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران المثيرة للجدل، التي من المتوقع توقيعها بعد أشهر على رقعة نفوذ وهيمنة الولايات المتحدة باعتبارها تركز في جانب كبير منها على الشق الأمني والعسكري.

وتشير الوثيقة التي تم تسريبها مؤخرا إلى أن الصين وإيران ستدخلان في شراكة استراتيجية تمتد إلى ربع قرن في مجالات حيوية تشمل التجارة والسياسة والثقافة والأمن.

ويرى المحللان في فورن بولسي عالم صالح وزكية يزدانشيناس أن الشق الأمني أو العسكري في الاتفاقية المرتقبة سيكون له تأثير على طريقة مواجهة الولايات المتحدة لهذا التحالف الناشئ مستقبلا، ما يجعل المواجهة مفتوحة على كافة الاحتمالات.

ومن الواضح أن طهران، العدو اللدود لواشنطن على عدة جبهات، وجدت في بكين، الخصم الآخر لإدارة الرئيس دونالد ترامب فرصة جديدة أثناء معاناتها بسبب العقوبات الأميركية الحادة والانكماش الاقتصادي.

في المقابل، ترى الصين فائدة في التعامل مع إيران، التي تعاني أزمة اقتصادية حادة عمقتها العقوبات الأميركية بسبب تدخلها في شؤون دول الشرق الأوسط رغم أنها لا تواجه نفس القدر من المشاكل التي تكبّل اقتصادها.

ورغم أن أغلب المحللين يتفقون على أن أي صفقة بين طهران وبكين هي أشبه بمغامرة لا يوجد فيها رابح، إلا أنها تثير مشكلة كبرى بالنسبة لواشنطن، التي تسعى بكل الطرق إلى تكريس هيمنتها على العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا مهما كانت التكاليف باهظة.

وتشمل الاتفاقية التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار إنشاء مناطق تجارة حرة وتطوير تكنولوجيا الجيل الخامس عبر إيران، وتعزيز التعاون العسكري بين الدولتين في المنطقة، في محاولة لمواجهة هيمنة واشنطن التقليدية.

مصلحة أمنية مشتركة

سفن حربية خلال مناورات بحرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين في المحيط الهندي وخليج عمان
سفن حربية خلال مناورات بحرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين في المحيط الهندي وخليج عمان

يعتبر التعاون بين الصين ودول الشرق الأوسط ليس بالجديد ولا الحديث ومع ذلك، فإن ما يميز هذا التطور عن الآخرين هو أن كل من الصين وإيران لديهما طموحات عالمية وإقليمية ولكل منهما علاقات مواجهة مع الولايات المتحدة، وهناك عنصر أمني في الاتفاقية.

ويتعلق الجانب العسكري للاتفاقية بالولايات المتحدة، مما يقلق واشنطن تماما مثل التدريبات البحرية المشتركة غير المسبوقة بين إيران والصين وروسيا، التي حدثت العام الماضي في المحيط الهندي وخليج عُمان.

ويشمل الاتفاق الذي يقول أحد كبار مساعدي الرئيس الإيراني حسن روحاني إنه يتعين توقيعه في مارس المقبل، تعاونا عسكريا أوثق بين الدولتين، وتطوير الأسلحة، إلى جانب التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، الأمر الذي يثير حزمة تساؤلات بشأن إذا كان هذا الاتفاق الصيني الإيراني رسالة تقلق الهيمنة الأميركية القائمة منذ وقت طويل في منطقة الخليج المجاورة.

وخلال السنوات الماضية تحدى النفوذ الصيني المتنامي في شرق آسيا وأفريقيا المصالح الأميركية بشكل واضح، أما اليوم فيبدو الشرق الأوسط هو ساحة المعركة التالية، التي يمكن أن تتحدى فيها بكين الهيمنة الأميركية هذه المرة من خلال إيران.

ويرى محللون في موقع فورين بوليسي أن هذا الأمر مهم بشكل خاص بالنسبة إلى الولايات المتحدة لأن الاتفاقية وآثارها تتجاوز المجال الاقتصادي والعلاقات الثنائية، فهي تعمل على المستوى الداخلي والإقليمي والعالمي.

وعلى المستوى الداخلي، يمكن أن تكون الاتفاقية شريان حياة لإيران من الناحية الاقتصادية، مما ينقذ اقتصادها المتضرر من العقوبات والذي يعاني من ضائقة مالية من خلال ضمان بيع النفط والغاز إلى الصين.

وبالإضافة إلى ذلك، ستكون إيران قادرة على استخدام علاقاتها الاستراتيجية مع الصين كورقة مساومة في أي مفاوضات مستقبلية محتملة مع الغرب من خلال الاستفادة من قدرتها على توسيع بصمة الصين في الخليج العربي.

وفي حين لم يتبق سوى ثلاثة أشهر قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المزمعة في نوفمبر المقبل، إلا أن التدقيق في الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين إيران والصين قد يعرض إمكانية فوز حزب الجمهوريين للخطر ذلك لأن الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران تثبت أن استراتيجية الضغط الأقصى لإدارة ترامب كانت فاشلة.

ويؤكد المحللون أن انتكاسة سياسة الضغط الأميركي على حكومتي الصين وإيران لم تفشل فقط في كبح جماح طهران وتغيير سلوكها الإقليمي، لكنها دفعتها إلى أحضان بكين في مسعى منها إلى التنفيس عن الضغوط التي ضيقت على الإيرانيين هامش التحرك في كافة الاتجاهات.

تمنح الشراكة الإستراتيجية الصينيين موطئ قدم لهم بالمنطقة كما ستعزز اقتصاد إيران ونفوذها الإقليمي

وكان الأدميرال علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني قد قال وهو يعلن عن اعتزام إيران بناء قاعدة عسكرية جديدة في المحيط الهندي إنه “سوف يتم استخدام القاعدة لحماية سفن الصيد والسفن التجارية من القرصنة ومن السفن الأجنبية”.

وهذا الكلام اعتبره البعض إشارة إلى القوة البحرية الخاصة متعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة والتي تقوم حاليا بحماية سفن الخليج من التدخل الإيراني.

ولم تقدم إيران حتى الآن أي دليل على المكان الذي تعتزم أن تبني فيه القاعدة الجديدة. وفي الوقت الحالي يعتبر ميناء تشابهار في خليج عُمان، الذي يستخدم بين أنشطة أخرى لنقل البضائع إلى أفغانستان، هو أقرب قاعدة للمحيط الهندي تمتلكها إيران.

ومن المؤكد أن احتمال تواجد تحالف عسكري إيراني صيني جديد في المحيط الهندي يعتبر تطورا سينظر إليه بمنتهى الجدية من جانب المؤسسة العسكرية الأميركية، التي تشعر بالقلق بالفعل إزاء محاولات إيران نشر نفوذها في أنحاء المنطقة.

وقد حذر الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأميركية، في حوار جرى مؤخرا معه من أن طهران تمثل أكبر خطر بالنسبة لأمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.

وشدد على أن الإيرانيين يؤججون عدم الاستقرار ومصممون على إضعاف الأمن في جميع أنحاء المنطقة لأنهم يستخدمون العنف بالاتفاق مع من يعملون بالوكالة لصالحهم في جميع أنحاء المنطقة للدفع بدول أخرى إلى أجندتهم.

ومع ذلك يشير القرب الاستراتيجي لإيران من الصين على المدى الطويل إلى أن طهران تقوم بتكييف ما يسمى بسياسة “اتجه نحو الشرق” من أجل تعزيز قوتها الإقليمية والعسكرية وتحدي وتقويض القوة الأميركية في منطقة الخليج العربي.

وبالنسبة للصين، يمكن أن تساعد الاتفاقية في ضمان أمن طاقتها، حيث يوفر الخليج العربي أكثر من نصف احتياجات الصين من الطاقة.

وفي ضوء ذلك، فإن تأمين حرية الملاحة عبر الخليج العربي له أهمية كبيرة بالنسبة للصين، وقد أصبحت السعودية، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة، أكبر مورد للنفط الخام للصين، حيث سجلت الواردات الصينية من المملكة في مايو رقمًا قياسيًا جديدًا قدره 2.16 مليون برميل يوميًا.

ويتعارض هذا الاعتماد مع السياسة العامة للصين المتمثلة في تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مورد واحد. ولكن يربط موردو النفط العرب من الدول الأخرى للصين في منطقة الخليج علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة.

وتخشى السلطات الصينية أنه مع اشتداد الحرب التجارية بين الدولتين، قد تضغط الولايات المتحدة على تلك الدول لعدم تزويد بكين بالطاقة التي تحتاجها، وبالتالي فإن الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران هي بوليصة تحوط وتأمين، يمكن أن تزود الصين بمصدر طاقة مضمون ومخفض.

إعادة التمركز في المنطقة

الصين وإيران لديهما طموحات عالمية وإقليمية ولكل منهما علاقات مواجهة مع الولايات المتحدة
الصين وإيران لديهما طموحات عالمية وإقليمية ولكل منهما علاقات مواجهة مع الولايات المتحدة

يعتقد الكثير من المراقبين والمحللين أن العلاقات الصينية الإيرانية ستعيد حتما تشكيل المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط لصالح هذين البلدين، وهذا الأمر سيزيد من تقويض النفوذ الأميركي، في منطقة لطالما كانت واشنطن مهيمنة عليها طيلة عقود بفضل علاقتها المتينة والموثوقة مع دول الخليج العربي على نحو لا يمكن لأحد أن يتصور أنه سيتلاشى مهما كانت الظروف.

وفي الواقع، تسمح الاتفاقية للصين بلعب دور أكبر في واحدة من أهم المناطق في العالم، بعد أن تغير المشهد الاستراتيجي منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وفي النظام الإقليمي الجديد، انتشرت الهويات العالمية القائمة على الانقسامات الدينية والطائفية وغيرت جوهر ديناميكيات السلطة. وقد فرت هذه التغييرات، بالإضافة إلى انسحاب القوات الأميركية واضطرابات الربيع العربي، فرصة للقوى الوسطى مثل إيران لملء الفجوات وتعزيز قوتها الإقليمية.

وبالنظر إلى الجهة المقابلة من هذه المسألة، يتضح أنه منذ أن تولى الرئيس الصيني شي جين بينغ السلطة ببلاده في عام 2012، أعربت الحكومة الشيوعية عن رغبتها القوية في جعل البلاد قوة عالمية ولعب دور أكثر نشاطًا في مناطق أخرى.

ويضرب المحللون مثلا لذلك بدأ يتجسد على أرض الواقع تدريجيا حيث تجلى هذا الطموح الصيني في تقديم مبادرة الحزام والطريق، والتي سلطت الضوء على الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط.

وفي المحصلة تدرك الصين مكانة إيران وأهميتها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط الجديد. وقد عززت التطورات الإقليمية في السنوات الأخيرة النفوذ الإيراني.

يشير القرب الاستراتيجي لإيران من الصين على المدى الطويل إلى أن طهران تقوم بتكييف ما يسمى بسياسة “اتجه نحو الشرق” من أجل تعزيز قوتها الإقليمية والعسكرية

وعلى عكس الولايات المتحدة، تبنت الصين نهجًا غير سياسي موجهاً نحو التنمية في المنطقة، مستخدمة القوة الإقليمية لإيران لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة وإرساء الأمن في المنطقة من خلال ما تسميه السلام التنموي بدلاً من المفهوم الغربي للسلام الديمقراطي. وهذا نهج تميل الدول الاستبدادية في الشرق الأوسط إلى الترحيب به.

وكان انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2018، وما تلاه من تطبيق لسياسة الضغط الأقصى، آخر جهد من جانب الحكومة الأميركية لوقف النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة.

وعلى الرغم من أن هذه السياسة أضرت بالاقتصاد الإيراني بشدة، إلا أنها لم تكن قادرة على تغيير السياسات الإقليمية والعسكرية الطموحة للبلاد حتى الآن. وعلى هذا النحو، فإن التعاون الاستراتيجي الجديد بين الصين وإيران سيزيد من تقويض النفوذ الأميركي، مما يمهد الطريق للصين للعب دور أكثر نشاطًا في الشرق الأوسط.

6