التحالف التركي الإسرائيلي يستعيد نشاطه بعد سبات عميق

رغم ما يروج من معطيات مفادها أن التقارب الإسرائيلي-التركي لا يزال في مراحله المبكرة، ورغم ما يروج أيضا عن التعاطي الحذر مع الموضوع من قبل الجانبين على مستوى الرأي العام، إلا أن مجريات الأحداث ولعبة المصالح، لا سيما المستجدة منها، تجعلاننا نقر بأن بلورة العلاقات الثنائية قد بلغت مراحل متقدمة. وتساهم المتغيرات الإقليمية التي تعيش على وقعها منطقة الشرق الأوسط في تعزيز التقاء الجانبين على أكثر من صعيد. وهو ما ذهب إليه مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية في قراءة لأفق العلاقات الإسرائيلية التركية.
الاثنين 2016/03/07
والعود أحمد

واشنطن - رغم أنهما كانتا حليفتين في السابق، إلا أن تركيا وإسرائيل على خلاف منذ حوالي عقد من الزمن. ولكن جليد الخلاف بينهما على وشك الذوبان. ففي الوقت الذي تقلص فيه الولايات المتحدة وجودها في منطقة الشرق الأوسط، اشتدت المنافسة بين اللاعبين المحليين من أجل ملء الفراغ الذي تركته وراءها. ومع احتدام المنافسة، من المرجح أن تلجأ كل من تركيا وإسرائيل إلى توحيد قوتيهما لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية.

وتبدو منطقة الشرق الأوسط مختلفة جدا اليوم عما كانت عليه في مطلع القرن، فقد تخلت الولايات المتحدة، الفاعل الأجنبي الأكبر في المنطقة، عن دورها التاريخي كقوة عسكرية رئيسية في النزاعات في الشرق الأوسط. وفسحت المجال أمام شركائها المحليين لتحمل وطأة القتال، وبقيت تقدم الدعم من بعيد. وفي الوقت نفسه، تحرص واشنطن على ضمان عدم وجود دولة واحدة كقوة مهيمنة في المنطقة، ولتحقيق هذه الغاية تحاول الولايات المتحدة خلق التوازن بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، مما يحد من دعمها لبلد على حساب الآخر.

احتدام المنافسة الإقليمية

تملك دول الشرق الأوسط مخططاتها الخاصة بها، فمع انسحاب الولايات المتحدة، برز ثلاثة منافسين يسعون إلى حل محلها، تركيا وإيران والتحالف السني بقيادة المملكة العربية السعودية. وبدأت إيران في بناء نفوذها من خلال تعزيز علاقاتها مع الدول ذات الأغلبية الشيعية في المنطقة، بما في ذلك سوريا والعراق ولبنان. كما بسطت طهران نفوذها على الأقليات الشيعية في المنطقة لإضعاف منافسيها السنة، وساندت احتجاجات الشيعة في البحرين والمملكة العربية السعودية.

وتراقب الدول العربية السنية التحركات الإيرانية بخوف متزايد، وخصوصا في ظل تحسن علاقتها مع الولايات المتحدة. وفي محاولة لمواجهة المنافس الشيعي، سعت كل من المملكة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين إلى توسيع نفوذهم من خلال العديد من المبادرات المشتركة في التعاون الأمني والاقتصادي. وحتى الآن، وافقت الرياض على منح أكثر من 3 مليارات دولار لمصر في شكل قروض ومنح و1.2 دولار إلى الأردن بين عامي 2011 و2016، كما منحت المملكة العربية السعودية 5 مليارات دولار للجيش السوداني في فبراير عام 2015. وفي الوقت نفسه، وعدت كل من الكويت، وسلطنة عمان والإمارات مجتمعة، في مارس الماضي، بتقديم مساعدات لمصر تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار.

تبحث أنقرة عن طرق لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وبالتالي يصبح إحياء العلاقات مع إسرائيل خيارا جذابا

وتتوافق مصالح تركيا مع المصالح السعودية وحلفائها في بعض النقاط. فخلال الحرب الباردة، رأت الولايات المتحدة في تركيا حليفا هاما لمواجهة النفوذ السوفييتي في سوريا ومصر والعراق. ورغم أن واشنطن سوف تواصل الاعتماد على أنقرة في المنطقة، إلا أن أهمية علاقتها بها بدأت تتراجع. ونتيجة لانفتاح الولايات المتحدة على إيران، بات من الواضح أن تركيا في حاجة إلى حلفاء آخرين لوقف صعود طهران، وفي الوقت الذي يعتبر فيه التحالف العربي السني منافسا لتركيا، إلا أنه شريك منطقي لها في بعض النواحي. في الواقع، تعمل أنقرة مع التحالف الذي تقوده الرياض على مكافحة الإرهاب في سوريا، وتشن الطائرات السعودية هجماتها الجوية على سوريا انطلاقا من القواعد التركية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تركيا تقوم بإقامة قاعدة جوية في قطر وتسعى إلى تعزيز علاقاته مع دول الخليج الأخرى.

ورغم ذلك، تملك أنقرة رؤية خاصة لمنطقة الشرق الأوسط، وسوف تتعاون مع التحالف الذي تقوده السعودية إلى الحد الذي يتناسب مع أهدافها، كما تبحث عن طرق لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وبالتالي يصبح إحياء العلاقات مع إسرائيل خيارا جذابا بشكل متزايد.

إحياء الشراكة القديمة

لعدة سنوات، كانت العلاقة بين إسرائيل وتركيا يسودها الجمود. وفي أعقاب الانتخابات التركية لعام 2007، وحرب إسرائيل على قطاع غزة في 2008-2009، بدأت أنقرة بتقديم الدعم للجماعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، دخلت تركيا في صراع مباشر مع المصالح الإسرائيلية، وخاصة بعد دعمها للرئيس المصري السابق محمد مرسي والمنظمات الفلسطينية مثل حماس، التي يعتبرها القادة الإسرائيليون أخطر التهديدات لأمن بلادهم.

الخلافات السياسية الأخيرة مع روسيا، المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي، دفعت أنقرة إلى البحث عن مصدرين آخرين، تثق فيهم بشكل أكبر، على غرار إسرائيل

وبعد تدهور العلاقات لمدة ثلاث سنوات، بلغت التوترات أوجها في مايو عام 2010، عندما داهمت القوات الإسرائيلية سفينة مرمرة التركية، التي حاولت كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وخلّف الحادث 10 قتلى من الأتراك، مما أدى إلى خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية وتعليق التعاون العسكري بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل اعتذارا رسميا، ووافقت على تعويض عائلات قتلى أسطول الحرية. ومع ذلك، لا يزال الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة يشكّل حاجزا أمام تطبيع العلاقات بين البلدين. وتصر تركيا على السماح بمرور المساعدات الإنسانية إلى غزة، بينما تصر إسرائيل على أن ذلك من شأنه أن يكون ضارا بأمنها القومي.

ولكن يبدو أن المواجهة لن تستمر لمدة أطول، فمنذ ديسمبر الماضي اشترك الجانبان في محادثات لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأحرزت المفاوضات تقدما باتجاه رفع الحصار عن غزة، حيث وافقت حماس مؤخرا على السماح للحرس الرئاسي لحركة فتح بإدارة معبر رفح بين مصر وقطاع غزة، وهو شرط مهم تتشبث به كل من مصر وإسرائيل من أجل السماح باستئناف حركة المسافرين والسلع باتجاه القطاع.

وفي أواخر فبراير الماضي، أعلن العديد من المسؤولين الأتراك والإسرائيليين عن قرب التوصل إلى اتفاق وشيك. وبالنظر إلى أن الحقائق المتغيرة في المنطقة، من المرجح أن تسعى كل من تركيا وإسرائيل نحو المصالحة. وتتقاسم إسرائيل مع تركيا حاجة ملحة لإيجاد حلفاء آخرين غير الولايات المتحدة، لا سيما بالنظر إلى مدى الدعم الأميركي الذي كانت تعتمد عليه في الماضي. ورغم أنها سوف تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع دول الخليج، ترى إسرائيل أن التقارب مع تركيا أولوية استراتيجية لسببين هما الطاقة والأمن.

وفي محاولة لبناء شراكة إقليمية، استخدمت إسرائيل كميات كبيرة من احتياطاتها الكبيرة من الغاز الطبيعي لجذب اهتمام جيرانها، بما في ذلك مصر والأردن، حيث وافقت إسرائيل نهاية عام 2015 على توقيع اتفاقية تستمر لمدة سبع سنوات من أجل تزويد مصر بـ5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كما أمضت العديد من الاتفاقيات الأخرى مع مصر والأردن، رغم أنه لم يتم التوصل إلى تطبيق أي منها إلى غاية الآن.

من المرجح أن تظهر مشاكل عند نقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى السوق التركية، وفي الوقت نفسه تحتاج تركيا لتقديم نفسها على أنها المدافع عن القضية الفلسطينية

ورغم هذا النجاح، سوف تحتاج هذه الصفقات إلى وقت طويل حتى تسفر عن نتائج ملموسة ، خاصة وأن خطوط الأنابيب اللازمة لصادرات الطاقة إلى مصر والأردن لم يتم إنشاؤها بعد، وذلك في الوقت الذي تبقى فيه مصر والأردن في طليعة الاستراتيجية الطاقية لإسرائيل، وسوف تستمر إسرائيل في البحث عن أسواق أخرى لغازها الطبيعي.

وقد تكون تركيا واحدة من هذه الأسواق، فقد دفعت الخلافات السياسية الأخيرة مع روسيا، المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي، أنقرة إلى البحث عن مصدرين آخرين، تثق فيهم بشكل أكبر. وعلى غرار إسرائيل، تحاول تركيا متابعة عدد من الشراكات في مجالات الطاقة، بما في ذلك كردستان العراق وأذربيجان، لتنويع مصادرها. ومع ذلك، يسود اعتقاد أن حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين تمر وليفياثان، يوفران معا نحو 700 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما من شأنه أن يمثل إضافة كبيرة لمصادر الطاقة التركية.

بالإضافة إلى الطاقة، تلتقي مصالح البلدين في توسيع التعاون الأمني، وخاصة في سوريا. ويمكن أن يستفيد البلدان من التدريب المشترك ونقل التكنولوجيا وتبادل المعلومات الاستخباراتية كلما استمرت الحرب الأهلية في سوريا، كما لا يمثل التعاون بين القوات الإسرائيلية والتركية سابقة من نوعها، ففي الواقع، كانت هناك اتفاقات أمنية قوية بين البلدين في التسعينات وفي وقت مبكر من الألفية، حيث ساعد سلاح الجو الإسرائيلي تركيا في تحديث معداتها بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية.

هذا لا يعني أن العقبات التي تواجه إعادة العلاقات بين الجانبين لم تعد موجودة، كما تعتبر السياسة الطاقية الإسرائيلية معقدة وغير واضحة، وهو ما من شأنه أن يخلق الكثير من عدم اليقين بالنسبة لتركيا في صفقة الغاز الطبيعي. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تظهر مشاكل عند نقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى السوق التركية، وفي الوقت نفسه تحتاج تركيا لتقديم نفسها على أنها المدافع عن القضية الفلسطينية، وهو ما قد يعقد جهود إسرائيل في حماية أمنها الوطني، في الوقت الذي يتفاوض فيه الطرفان على وضع حد لحصار غزة. وعلى نطاق أوسع، يمكن أن تقيد المحرمات الإقليمية ضد هذا التقارب قدرة تركيا على التعاون مع إسرائيل في سعيها لتصبح قوة بارزة في الشرق الأوسط.

7