التحالف الدولي ضد الإرهاب بين الاستجابة للشعب السوري والتردد الأميركي

الاثنين 2014/10/06
نظام الأسد يستغل الضربات الجوية ليسيطر على المناطق التي فر منها مقاتلو داعش

الحرب التي تخوضها قوى إقليمية ودولية عديدة، تُواجه بعقبة أساسية هي الفصل الأميركي بين التيارات الجهادية وقوات النظام السوري. فصل تكتيكي قد يُفهم منه أنّ الإدارة الأميركية تضمرُ تأجيل الحسم مع النظام أو ربما التفاوض معه لاحقا. وهو ما يتقاطع مع سعي قوى إقليمية إلى الانتصار لخيارات الشعب السوري الّذي يعاني في آن من النظام ومن "الإرهابيين" على حدّ سواء.

بعد بدء الهجمات الجوّية من قِبل قوات التحالف الدولي ـ العربي على تنظيم “الدولة الإسلامية”، المعروف إعلاميا بـ”داعش” وعدد من التنظيمات الإسلامية المتشددة الأخرى في سوريا، بدأ سؤال جوهري يجول في خاطر كل سوري من طرفي الصراع، المعارضة والنظام، حول من هي الجهة التي ستحلّ محل هذه التنظيمات على الأرض وتسد الفراغ في المناطق التي ستنسحب منها هذه التنظيمات.

الجواب على هذا السؤال في واقع الأمر سيحدد الهدف من الحملة العسكرية الدولية ـ العربية، وسيحدد بشكل أو بآخر مصير النظام السوري والمعارضة معا، ويُعطي فكرة عن الحل الذي سيُفرض على كافة الأطراف لحل الأزمة.

الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لن تُرسل جندياً واحداً إلى سوريا، فالرأي العام الغربي لا يحتمل مقتل عسكري إضافي في منطقة الشرق الأوسط التي لوّعتهم بنزاعاتها وحروبها المستمرة منذ عقود، إذاً فالخيار سيكون غير ذلك، ولا يُعرف بعد من هو “صاحب الحظ” الذي سيحظى بهذا “الشرف” الأميركي.


هل نجحت الضربات الجوية في غايتها؟


خلال الأيام العشرة الأولى، استهدفت الضربات الجوية للتحالف مقرات وحواجز وبنايات يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في عدة مناطق في شمال سوريا وشرقها، لكنها لم تُصب هذا التنظيم بمقتل أم بشلل جزئي أو حتى بضعف، فالتنظيم مازال قادراً على التحرك كما يشاء، ويحدد خياراته في الخروج من بلدات وقرى واحتلال غيرها، ويحاصر مدناً استراتيجية وينقل أسلحته وقواته تقريباً أينما شاء.

النظام السوري غير مؤهل لملء الفراغ بعد انسحاب الدولة الإسلامية جراء الضربات التي تتلقاها من قوات التحالف

الأهداف الأخرى التي طالتها غارات قوات التحالف هي مقرات ومعسكرات صغيرة وحواجز تسيطر عليها جبهة النصرة وكتائب ثورية مسلحة ذات طابع إسلامي لا تمتّ بصلة إلى الدولة الإسلامية، ويعتبرها الكثير من السوريين جزءاً من قوى الثورة، فضلاً عن بنايات داخل المدن السكنية يقول السكان إنه لا أهمية عسكرية لها، فمقاتلو الدولة الإسلامية لا يتمترسون بها، وقصفها تسبب في سقوط عشرات القتلى في صفوف المدنيّين.

من جهة أخرى، هناك عشرات الآبار النفطية ومصافي الغاز الكبيرة والصغيرة الواقعة في مناطق مختلفة من سوريا أصابتها صواريخ التحالف، بحجة تجفيف منابع التمويل التي يعتمد عليها تنظيم الدولة، إلا أن مراقبين يؤكدون على أن غالبيتها كانت تحت سيطرة عشائر محلية تُؤمّن بواسطتها جزءاً من متطلبات الآلاف من السوريين في زمن الحرب التي لم ترحم أحدا.

وبناء على ما سبق، فلا أحد يعرف خسائر تنظيم الدولة الإسلامية، فالتنظيم يتكتم على خسائره، إلا أن هناك إجماعا على أن هذه الغارات لم تحقق أهدافاً ذات معنى بالنسبة لثوار سوريا، ودفعت تنظيم الدولة إلى إعادة الانتشار في القرى والبلدات والمدن والاندماج في الأماكن الآهلة بالسكان؛ فقليلة هي المناطق التي انسحب منها التنظيم أو تقهقر، وربّما هذا ما دفع الولايات المتحدة للاعتراف بأنّ القضاء على هذا التنظيم سيحتاج إلى سنوات من الزمن.


كيف اتخذ "داعش" احتياطاته؟


الكاتب والإعلامي السوري خلف علي خلف، ابن مدينة الرقة، أشار إلى عدم اكتراث تنظيم الدولة بالتحالف وغاراته، وقال: “منذ أن سيطر تنظيم داعش على الرقة، عمد مقاتلوه إلى ممارسة سلطاتهم المباشرة في كلّ مفاصل المدينة، ولم يحدث أيّ تغيير ملحوظ. هناك بعض الاحترازات الأمنية الاستباقية تضمنت تقليل التجمع في المراكز المعروفة لهم في المدينة، ولم يُلحظ نشاط عسكري أو تموضع غير عادي خارج المدينة أيضاً”.

وفي سياق آخر، أوضح العقيد أسعد أيوبي، من (الجيش السوري الحر) الاستراتيجية التي يسير عليها تنظيم الدولة بعد استهدافه بواسطة الضربات الجوية، قائلا في تصريح للـ “العرب”: “خسائر الدولة الإسلامية سطحية بسبب الاحتياطات التي اتّخذها التنظيم، وعلى رأسها تغيير مقراته ومواقعه. أحياناً يقوم مقاتلوه بتمويه تواجدهم وتغيير لباسهم والذوبان في الأماكن المدنية، وبهذه الحالة من المستحيل اصطيادهم دون قوات برية، خاصة وأنّ المناطق التي يسيطرون عليها ليست بيئة صديقة لهم نتيجة ممارساتهم القمعية وقناعة السوريين بأن هذا التنظيم جزء من النظام”.

في حقيقة الأمر، الحدود المفتوحة بين سوريا والعراق تلعب دور الخزان الإمدادي لتلك التنظيمات التكفيرية، وكلّما قُتل مقاتل من التكفيريين دخل خمسة آخرون بدلاً عنه، وهذا الأمر لا نهائي وتصعب السيطرة عليه بتنفيذ ضربات جوية فقط، وما لم يكن هناك خطة تدريجية للتحالف الغربي للسيطرة على الأرض، فإن تلك التنظيمات ستتمدد وتخرج أقوى من السابق.

مؤخراً، اعترفت الولايات المتحدة بهذا الأمر، وأقرّ الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة أركانها بضرورة وجود قوات عسكرية برية غير أميركية شريكة على الأرض، وفيما بعد حدد دانييل روبنستين، المبعوث الأميركي لـسوريا، طبيعة هذه القوات، وقال “هؤلاء الشركاء هم المعارضة المعتدلة” وهو تعبير ضبابي لا يُعرف من المقصود به تماماً.


من المستفيد من الضربات الجوية؟


ما حصل على الأرض أثار ريبة السوريين، فالقوى الثورية المقاتلة وفصائل الجيش الحر التي كانت تحاصر تنظيم الدولة الإسلامية خرجت من الأماكن التي تم قصفها أو المتوقع قصفها خوفاً من أن تطالهم صواريخ التحالف، عمداً أو على وجه الخطأً، وفور انسحاب تنظيم الدولة من هذه المناطق استغل النظام السوري الفرصة ليُدخل قواته ويعيد السيطرة عليها بعد أن عجز طوال سنتين عن استعادتها وحده، وخلال أول أسبوع من بدء عمليات التحالف خرج تنظيم الدولة من نحو 40 قرية في شمال سوريا، فعادت إليها قوات النظام السوري بعد أن أُفرغت من مقاتلي الدولة والمعارضة على حدّ سواء، وتحقق حلم النظام بالسيطرة عليها من جديد.

وفي هذا السياق، اعتبر، مهنّد الحسني، رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، أنّ ما يحصل الآن يتنزل في إطار “تعاون قائم بين النظام والولايات المتحدة وعدوان على الثورة”، حيث قال في تصريح لـ “العرب”: “لا مجال للشك بأن النظام السوري هو المستفيد الأول والأخير من هذه الغارات الدولية على بعض فصائل المعارضة المناهضة له، لأنه بدأ يفرض سيطرته وسطوته على المناطق التي تُخليها مجموعات المعارضة المسلحة، وبالتالي سيصبح التنسيق على أرض قائم فعلاً ما بين الولايات المتحدة والنظام”.

منطقياً، طرفان يمكن لأحدهما ملءُالفراغ الذي سيخلفه انسحاب تنظيم الدول الإسلامية من سوريا؛ إمّا دولة مركزية قوية مدعومة بجيش قوي، أو قوات معارضة مدرّبة ومسلّحة نوعياً قادرة على السيطرة على الأمن والوقوف في وجه التنظيمات الإرهابية والنظام على حد سواء.

الإسراع بتشكيل قيادة عسكرية وسياسية وفكرية جديدة للثورة السورية ضرورة ملحة

الطرف الأول مستبعد على اعتبار أن ملايين السوريين لن يقبلوا به، (وهذا الأساس ثورتهم) والنظام السوري أصبح ـ نظرياً ـ غير مقبول لا عربياً ولا دولياً، لكن حظوظ الطرف الثاني لا تقل ندرة عن الطرف الأول، فالجيش السوري الحر ضعيف ولا يتمتع بالتسليح الكافي، وبقية قوى المعارضة المسلحة متفرقة وغير منظمة، ولا يستطيع أي فصيل ثوري منها ملء الفراغ وحده دون اندماج مع غيره، ودون فرض حظر طيران فوق المناطق التي يسيطر عليها.


هل سيتم الالتزام بعزل نظام الأسد؟


من جهتها، حرصت الولايات المتحدة على القول مرارا وتكرارا إنها لن تسمح للأسد بالاستفادة من حربها على الإرهاب، لكن تلك التأكيدات لم تُترجم على الأرض، ولم تُعزز ثقة ثوار سوريا، وبدت في غالبيتها طمأنة موجهة إلى الدول العربية المنضوية تحت راية التحالف، خاصة وأن سجلّ الولايات المتحدة حافل بخذلان حلفائها وإنهاء الأزمات عن طريق تسويات على حساب مصالحهم، وفي الحالة السورية، سبق لأوباما أن سار على هذا الهدي عندما استخدم النظام السوري السلاح الكيماوي وتجاوز الخط الأحمر الذي وضعه أوباما نفسه ثم محاه في إطار صفقة مع النظام، قضت بسحب الجزء الأكبر من السلاح الكيماوي من سوريا. فتصريحات المسؤولين الأميركيين المتعلقة بفقدان الأسد لشرعيته، لا تعني الكثير، لأنها لم تتجسد أفعالاً منذ ثلاث سنوات وإلى حدّ اليوم.


ماهو موقف المعارضة المعتدلة؟


من جهة أخرى، تؤكد الوقائع أنّ الضربات الجوية للتحالف تصب مبدئياً ـ حتى الآن على الأقل ـ في صالح النظام، سواء بشكل مباشر أو من حيث النتائج، فهي لن تقضي على الدولة الإسلامية، بل ستُضعف المعارضة المسلحة الأخرى، التي يعتبرها السوريون معتدلة بمفهومهم، ويخشى الكثيرون أن تبدأ الولايات المتحدة تدريجياً بتخفيف “الفيتو” الموضوع على مشاركة النظام السوري في عمليات التحالف، خاصّة وأنّ واشنطن لم تتعهد بعملية متكاملة تضمن في النهاية إنهاء مرحلة نظام الأسد.

عدم تحديد التحالف من هي “المعارضة المعتدلة”، ومتى سيبدأ عملها على الأرض، فضلاً عن استهداف بعض الكتائب المسلحة غير التكفيرية، وإعلان أنه لا ينوي إسقاط النظام، أثار شكوك المعارضة السورية ودفع الكثير من قوى الثورة المسلحة إلى إعلان رفضهم لضربات التحالف، والتأكيد على أنهم لن يقاتلوا مع التحالف من أجل حماية الأمن القومي الأميركي وينسوا النظام السوري الذي مازال يُلقي براميله المتفجرة على رؤوس أبنائهم.


هل يمكن أن يكون الحل أميركيا؟


الحل برأي بعض القادة العسكريين ليس أميركيا ولا هو منوط بعهدة قوى التحالف الأخرى. الحلّ يجب أن يكون سوريا صرفا. وفي هذا السياق، قال العميد عبدالرزاق أصلان اللاز، المدير السابق لمدرسة الشرطة في سوريا المنشق عن النظام، في تصريح للـ”العرب”: “كل الفوضى الحاصلة الآن هي نتيجة لنجاح النظام في تغيير مسار الثورة بدعم من حلفائه، حيث أنه عمد إلى الإيحاء بأنّ ما حصل في سوريا ليس ثورة شعب، بل هو يتنزّل في إطار أعمال تطـرف وتخريــب وشغب.

الولايات المتحدة مطالبة بعدم خذلان حلفائها وإنهاء الأزمات عن طريق تسويات على حساب مصالحهم

كما أنّ دمويته (أي النظام) والصمت الدولي سهّلا الطريق أمام الإرهاب كي يتمادى وينمو”.

وفي ذات الإطار، قال اللاز: “لم نعد نعرف من نقاتل، النظام أم ميليشياته الطائفية التي أحضرها من مختلف أنحاء العالم، أم تنظيم الدولة والتنظيمات المتطرفة، أم نهرب من ضربات التحالف؟

لقد آن الأوان لسماع صوت الاعتدال المنحاز إلـى جــانب الــشعب السوري.

لابد من الإسراع بتشكيل قيادة عسكرية وسياسية وفكرية جديدة للثورة السورية، تتّسم بالاعتدال والقوة ويكون لها صوت واحد، ومشهود لها بخبراتها العسكرية والتنظيمية، خاصّة مع وجود آلاف العسكريين والضباط المدرّبين والمحترفين المنشقين عن النظام والمهمّشين الذين يمكن الاعتماد عليهم في هذا الأمر”.

خلاصة القول، من المهم أن تعرف المعارضة السورية، سواء كانت السياسية أو العسكرية، كيف تستفيد من محاربة تنظيم الدولة لصالح قضيتها الأساسية، وهذا يتطلب فهم أهداف أميركا من حملتها العسكرية، وفهم السياسات المتناقضة للأطراف المؤثرة في المنطقة، والعمل على توحيد المعارضة المسلحة لتشكيل قوة ضاربة وطنية صِرفة تقبل التعامل مع جزء من النظام لم تتلوث أياديه بالدم، قوةٌ يُعتمد عليهما في القضاء على تنظيم الدولة وإرغام عتاة النظام على الاستسلام والقبول بحل سياسي يضمن التداول على السلطة، وتوافق عليه غالبية القوى المؤثرة، من شأنه أن ينهي مأساة الشعب السوري المكلوم.

7