التحالف الدولي في العراق والشام

الثلاثاء 2014/10/07

شكلت الولايات المتحدة الأميركية ما أسمته تحالفا دوليا عريضا بهدف شنّ حرب مديدة على تنظيم ما بات يُعرف بالدولة الإسلامية “داعش” في العراق والشام، باعتبار أن خطرها الإرهابي بات يهدد المصالح الأميركية، وأميركا بالذات.

وقد تشكل هذا التحالف من الولايات المتحدة الأميركية نفسها وبقيادتها، ومن دول أوروبية وعربية عديدة شارك بعضها في طلعات جوية حربية فوق العراق وسوريا، ونفذ قصفا جويا لمواقع قيل إنها تتبع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من بينها آبار ومنشآت نفطية وأكبر محطة غاز في سوريا وأهم إهراءات الحبوب فيها تقع في مدينة منبج بحجة أن “داعش” يسيطر عليها.

وبحجة تجفيف التمويل، تم قصف مصافي النفط في سوريا. ألم يكن الأجدى منع استيراد هذا النفط بدلا من قصف وتدمير منشآته التي تعود للشعب السوري الذبيح؟

ماذا فعل التحالف خلال أسابيع من تنفيذه أعمالا حربية، سواء بواسطة الغارات الجوية أو بواسطة الصواريخ بعيدة المدى؟ وما كان أثر هذه الهجمات على “داعش” وامتداد سيطرته؟

بالأمس القريب سمعنا أخبارا من العراق تؤكد سقوط مدينة الهيت وقضائها بأيدي قوات “داعش” بعد اندحار قوات النظام العراقي عنها. واليوم نقرأ أن قوات “داعش” قد احتلت مداخل مدينة عين العرب، كوباني، في سوريا على الحدود التركية. أما عن قوات “داعش” فيبدو أنها تضاعفت عددا. فهل ينفذ الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي عملياته الحربية ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أم أنه يستكمل ما عجز أو امتنع نظام بشار الأسد عن تدميره من منشآت حيوية في سوريا تخص الشعب السوري، ليستكمل حصاره بالتجويع والدمار؟

منذ قرابة السنة استطاع الجيش الحر، الذي حُرم من كل أشكال الدعم إلا من المواطنين، من أن يدحر تنظيم “داعش” من مناطق واسعة في ريف اللاذقية وريف إدلب وريف حلب الغربي، كما تمّ دحره من مناطق حوران وغوطة دمشق. فهل يعجز “تحالف دولي” بهذا الحجم عن دحر تنظيم عصابي لا يمتلك لا طائرات ولا صواريخ ولا وسائل تواصل واتصال مستقلة، ولا تلك الإمكانيات اللوجستية التي يحتاجها من يمد سيطرته على كل تلك المساحات الشاسعة؟

وهل يُمارس أي شكل من أشكال الحصار على هذا التنظيم؟ أم إن خطوط إمداده وإسناده لا زالت مشرّعة؟ وكيف يتم رفده مجددا بمزيد من العناصر الغريبة عن المناطق التي يسيطر عليها؟ من أين يأتون؟ ألا يستطيع “التحالف الدولي” أن يقطع الاتصالات عن “داعش” مثلا؟ فهو لا يمتلك على ما أعلم، أقمارا صناعية!

حتى الآن، يبدو أن التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية يمارس نفس السلوك الذي مارسه النظام الأسدي على مدى ثلاث سنوات وثمانية أشهر، حيث كان يدّعي مواجهة الإرهاب، في حين كان يمارس سحق الجماهير المنتفضة ويسهل للإرهابيين تنظيم أنفسهم والسيطرة على المناطق التي أجبر على إخلائها. وها هو التحالف الدولي يشن غاراته الجوية على المنشآت الحيوية، في حين أن قوات “داعش” تواصل شنّ هجوماتها في كافة الاتجاهات وتوسّع نطاق سيطرتها لتشمل مناطق ومدنا جديدة ربما كان متعذرا عليها أن تحتلها قبل بدء التحالف الدولي لهجماته الجوية. فهل جاء التحالف الدولي كي يؤمّن الغطاء الجوّي لتنظيم “داعش” ليوسعَ سيطرته؟

لقد سبق أن أوضحنا أن الهدف من تشكيل التحالف الدولي هو أبعد من داعش وأبعد ممّا يقال عن محاربة الإرهاب. الهدف الرئيس من هذا التحالف طَيّ صفحة الثورات الشعبية وتجاوز ما جاءت به من شعارات وطروحات، وزجّ المنطقة في حروب مستدامة تحرمها من أي إمكانية لتكون منطقة صالحة لحياة تنمو وتزدهر.

فـ”داعش” لم تولد من تراث ديني متأصّل في شعوب المنطقة، وكل هذا الهراء والتحاليل النظرية التي تردّ نشوء “داعش” وأمثالها إلى الإسلام والخلافات التي قامت بين المسلمين منذ أربعة عشر قرنا، لا تهدف في الأساس إلا إلى التعمية على الحقائق المادية التي أنتجت “داعش” ومثيلاتها، والتي هي حاجات نظام رأس المال العالمي لتجاوز مرحلة الثورات الشعبية في البلدان العربية في لحظة كان يعاني فيها من تفاقم أزمته البنيوية، التي انعكست حركات احتجاجية في بلدان أوروبية عديدة من اليونان إلى أسبانيا إلى إيرلندا، وصولا إلى العواصم المركزية لهذا النظام من نيويورك إلى موسكو إلى شنغهاي.

من يظن أن تحالفا دوليا تشكله الولايات المتحدة من حلفائها الأطلسيين ومن أتباعها الإقليميين، وبتغاضٍ وقبول من روسيا وإيران، يمكن أن يسهم في خلاص شعوب المنطقة، فهو واهم. لقد كان لدينا، إلى جانب النظام الأسدي، دولة خلافة البغدادي في العراق والشام، والآن صار لدينا، إلى جانب كليهما، التحالف الدولي في العراق والشام! فيا قلّة حيلتنا.


كاتب لبناني

8