التحالف الشيعي الجديد والرهان الوطني

الأربعاء 2014/05/21

لم تستطع الأحزاب الشيعية العراقية التي وصلت إلى السلطة بمساعدة القوات الأميركية من أن تبني لنفسها مشروعا وطنيا خالصا لأنها، ببساطة شديدة، لم تنجح في مغادرة الدائرة الضيقة “للطائفة”، ولم تفلح في تجاوز عتَبَة “المذهب التي أوقعتها في فخ الطائفية والمذهبية معا وعلى رأسها حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى الإسلامي، وحزب الفضيلة الإسلامي، وبقية الأحزاب والتجمعات الشيعية الأخرى، التي لم تستطع التحرر من أسر النزعتين الطائفية والمذهبية.

ورغم بعض الهنات أو الأخطاء العابرة التي يرتكبها “الصّدريون” هنا أو هناك، إلاّ أنهم، في أقل تقدير، وضعوا الوطن نُصب أعينهم، ورفعوا الراية الوطنية قبل أن يرفعوا الرايتين الطائفية والمذهبية، وهذا سرّ قبول الشارع العراقي لهم أكثر من غيرهم.

حارب السيد مقتدى الصدر القوات الأميركية، وكان من أكثر المتحمسين لإخراجها من العراق بكل السبل المتاحة سياسيا وعسكريا، كما أنه لم يعمّق الشرخ الذي أوجدته هذه الأحزاب الشيعية المتطرفة في ادعاءاتها الطائفية المزيفة وعلى رأسها قادة هذه الأحزاب المشحونين بحقد كبير على العراق برمته شيعة وسنة وكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية، فهم أول من دعا إلى “فدرلة” العراق وتقسيمه على أسس طائفية مقيتة.

لكنهم ما إن اكتشفوا أن مزاج الشارع العراقي بكل أطيافه مناهض لكل المشروعات التقسيمية حتى سارعوا إلى تغيير هذه النبرة الانتقامية التي لا ينساها لهم الشعب العراقي، إلى “نبرة وطنية” قدّموا فيها المشروع الوطني العراقي مُرغَمين على مشاريعهم الطائفية التي جاؤوا من أجلها، ومع ذلك فقد ظلّت تبعيتهم للنظام الثيوقراطي الإيراني واضحة، على الرغم من ادعاءاتهم الوطنية الزائفة وولائهم للأجنبي الذي ينظر إلى العراق كضيعة مُستلبة أو حديقة خلفية لأحلامهم التوسعية المريضة التي أكل الدهر عليها وشرب.

لعب تصريح السيد بشير النجفي بضرورة التغيير، وإقصاء نوري المالكي تحديدا، دورا مهما في إعادة النظر في التحالف الشيعي القديم الذي تقوده “دولة القانون” لأن زعيمها قد أوصل العراق إلى حافة التقسيم الفعلي، كما أباد آلافا مؤلفة من السنة، ووضع الأكراد أمام خيار التبعية الكلية أو الانفصال الذي يضمن لهم حقوقهم القومية، هذا ناهيك عن تلاعبه، هو وبطانته الضيقة بالأموال العراقية العامة التي يصر العراقيون على استردادها بالطرق القانونية التي تحاكمهم فردا- فردا، فهذه المليارات من الدولارات الأميركية سوف تهدد مستقبلا الأمن القومي للعراق ولعشرات الدول الأخرى ذات العلاقة بمنطقة الشرق الأوسط، وبعض البلدان الكبرى التي تبسط نفوذها على العالم برمته.

لقد انتبه بعض قادة المجلس الأعلى الإسلامي إلى ضرورة “مأسسة” التحالف الشيعي الجديد، وإلزام مرشحيه لمنصب رئيس مجلس الوزراء بدورتين انتخابيتين لا غير كي ينقذوه من شبح الدكتاتورية، وتفادي تكرار تجربة المالكي التي أظهر فيها استبدادا غير مسبوق لم يمارسه إبراهيم الجعفري وإياد علاوي من قبل.

لقد أصرّ أحد مرشحي المجلس الأعلى «كتلة المواطن» على ضرورة تقديم مرشحِينَ آخرين، غير نوري المالكي طبعاً، لهذا المنصب، في مقابل أن يقدموا هم والصدريون مرشّحيهم لتبدأ، على وجه السرعة، مهمة اختيار الشخص الأنسب لهذا المنصب الإشكالي الذي يكاد يهيمن على صلاحيات كبيرة تحتاج هي الأخرى إلى أن يُعاد النظر في توزيعها بين الرئاسات الثلاث كي يسدّوا على رئيس الوزراء المقبل كل الثغرات التي يمكن أن تفضي به إلى التجبّر والاستبداد والطغيان.

إذن، ما الذي يميّز التحالف الجديد عن القديم، طالما أنه لم ينفتح على مساحة العراق الواسعة؟ هل أن نوايا القائمين على التحالف الجديد هي انتزاع السلطة من المالكي فقط لتسليمها إلى رجل آخر قد يكون مصابا هو الآخر بمرض الطائفية أو المذهبية، وتبديد ثروات البلد المادية والبشرية؟

لقد أبدى أحد المرشحين لهذا المنصب من كتلة “الأحرار” بأنه ينوي الانفتاح على المكونات السنية بغية ضمها إلى تحالفهم الجديد ولكنه، نسي أو تناسى، بأن عناصر المكونات السنية الجديدة قد لا تنسجم مع رؤاهم السياسية وقناعاتهم الفكرية التي ظلت إلى وقت قريب تلعب دورا أساسيا في لعبة التهميش والإقصاء، وأن هدف التحالف الشيعي الجديد لا يخرج عن إطار التهدئة والإرضاء المؤقتين. فما إن يُبعدوا المالكي ويصفى لهم الجو حتى يقلعوا القفازات الحريرية الناعمة لتظهر مخالبهم “الطائفية” التي سبق وأن هددوا بها العراقيين بفدرالية المحافظات التسع.

فالدعوة إلى توحيد المذهب ما تزال طازجة في أذهان العراقيين، الذين لم ينسوا بعد مآسي الحرب الطائفية التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق، وأدخلته في طاحونة الحرب الأهلية التي تهدد بإثارتها أقطاب التحالف الشيعي نفسه سواء أكان قديما أم جديدا؟

إن ما يبتغيه العراقيون جميعا، إذا ما استثنينا منهم التابعين والأذلاء من الأحزاب التي وفدت إلينا من خارج الحدود، أن يكون التحالف الشيعي الجديد عراقياً، قلبا وقالبا، وأن يقدّم الهوية الوطنية الرئيسة على كل الهويات الفرعية، وأن يرتمي القائمون على هذا التحالف في أحضان العراق والعراقيين.

يا تُرى، هل سيقبل قادة التحالف الشيعي الجديد باشتراطات العراقيين التي تراهن على وحدة النسيج العراقي الذي لم يتمزق على مدى سبعة آلاف سنة، أم سيذهبون صوب الطائفية التي لا تُبقي ولا تذَر؟


كاتب عراقي

9