التحالف مع إثيوبيا خيار نظام البشير المعزول دوليا والمهدد داخليا

الاثنين 2013/12/09
لنظام البشير مصالح خاصة في دعم أديس أبابا بقضية السد

لندن – يتجه السودان إلى إقامة علاقات وثيقة وتحالف مع إثيوبيا في الوقت الذي تشهد فيه الأخيرة توترا مع مصر أساسه سد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا بناءه، رغم الاعتراض المصري عليه.

شهدت العلاقات المصرية – السودانية حالة من الفتور والجمود الواضحين بعد سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، الذي كان حليفا قويا لجاره السودان وحزبه الإخواني الحاكم بزعامة عمر حسن البشير.

السودان الذي انتقلت إليه رياح الثورات العربية التي تشهدها المنطقة، بعد أكثر من عشرين عاما من حكم البشير، بات يبحث عن خيارات جديدة لإنقاذ نظامه الذي أصبح مهددا، بعد انتفاضة الشعب السوداني عليه، والتي فاضت به الأكيال خاصة بعد قرار الحكومة رفع الدعم عن المحروقات.


خيارات محدودة للسودان


الخيارات أمام النظام السوداني أصبحت ضئيلة جدا، بعد سقوط الإخوان في مصر، الذي كان يستمد القوة منه في ظل عزلة دولية يواجهها البشير الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية في جرائم عديدة ارتكبها نظامه في إقليم دارفور غرب السودان، والتي تسببت في مقتل و تشريد الآلاف من المدنيين. كما لم يتردد في إعلان الحرب على الشعب السوداني الذي خرج في مظاهرات عديدة شملت مختلف المدن السودانية ، تنادي برحيل النظام الذي كان سببا في انتشار الفساد والبطالة والفقر في البلاد.

اثيوبيا بدأت في انجاز السد بموجب اتفاقية وقعتها في 2010 مع دول أخرى على حوض النيل، تسمح للدول بعمل مشاريع على مجرى النهر دون موافقة مسبقة من القاهرة

مع توالي الاحتجاجات الرافضة للقرارات الحكومية، والمنادية برحيل النظام، اتجهت قوات الأمن إلى تنفيذ حملة اعتقالات شملت ناشطين حزبيين وطلابا وحقوقيين على السواء، في محالة لإسكات تلك الأصوات، لتتطور إلى اشتباكات مسلحة بعد أن أطلقت قوات الأمن الرصاص على المحتجين مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، الأمر الذي فسره مهتمون على أنه بداية حقيقية لثورة ضد نظام الحكم في البلاد.

منذ عام 1959 وعلاقة السودان بمصر تأخذ خطاً توافقياً ومتماسكاً عند التفاوض مع بلدان أفريقية أخرى حول حقوق مياه النيل، حفاظاً على علاقتها مع القاهرة للحصول على الدعم السياسي والثقافي والعسكري والمالي، وبعد عزل الرئيس السابق مرسي، من قبل المؤسسة العسكرية المصرية، خرجت الخرطوم عن النطاق القاهري وأعلنت أنها تدعم وتؤيد بناء إثيوبيا سد النهضة الخاص بها، رغم معارضة مصر لهذا القرار، وأكد مراقبون أن السودان تريد تعزيز التحالف مع إثيوبيا وزيادة المسافة بينها وبين مصر بعد سقوط جماعة الإخوان المسلمين من الحكم.

في هذا الشأن يقول هاني رسلان رئيس وحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إن التغيير في السودان أصبح أزمة تؤرق البشير كثيراً، وبالتالي أصبح السودان غير جاذب على نحو متزايد للاستثمار الأجنبي أو الخليجي، واستطاعت إثيوبيا أن تكون أكثر جاذبية، وقد سمحت زيادة الرخاء داخل إثيوبيا والاستقرار السياسي بإحراز تقدم بشأن مشاريع البنية التحتية الكبيرة مثل سد النهضة، على الرغم من الاعتراضات المصرية، لكن الخرطوم رأت أن تتخلى عن القاهرة وتسارع إلى أديس أبابا طلباً للعون الزراعي والمالي .


التقارب السوداني الإثيوبي


التقارب السوداني الإثيوبي الأخير، يأتي في وقت تشهد فيه علاقات مصر مع أثيوبيا توترا شديدا، عندما بدأت الأخيرة عملية تحويل مجرى "النيل الأزرق" في منطقة منابع نهر النيل إيذاناً ببدء إنشاء "سد النهضة"، علما وأن مياه النيل الأزرق تشكل أحد الرافدين الرئيسيين لنهر النيل إلى جانب النيل الأبيض، وتمثِّل ما بين 80 و85 بالمئة من إجمالي مياه نهر النيل، و تقول إثيوبيا إن هذا السد سيعود عليها بمنافع اقتصادية كثيرة أبرزها إنتاج الطاقة الكهرومائية، رغم ما يمثله من تهديد لموارد مصر المائية.

وبدأت إثيوبيا في إنجاز السد بموجب اتفاقية وقعتها في2010 مع دول أخرى على حوض النيل، تسمح للدول بعمل مشاريع على مجرى النهر دون موافقة مسبقة من القاهرة، التي لم توقع على الاتفاقية لأن "حقوقها التاريخية" على النيل تضمنها معاهدتان عام 1929 و1959 منحتاها 87 بالمئة من مياه النيل وحق الاعتراض على تطوير مشاريع على مجرى النهر.

1 بالمئة نسبة الأمان في السد مما يجعله مهددا بالانهيار وإحداث آثار كارثية


تهديد موارد مصر


وبإجماع أغلب الخبراء في مجال المياه ، يمثل هذا السد خطرا يتهدد موارد مصر المائية، ومن المتوقع أن يؤثر على حصتها التاريخية التي تقدر بنحو 55،5 مليار متر مكعب، كما أن معدلات الأمان له لا تتجاوز 1 بالمئة، مقارنة بالسد العالي الذي يصل إلى 8%، الأمر الذي قد يعرضه للانهيار وإحداث آثار كارثية على الإقليم من حيث إغراق بعض المدن والقرى بالكامل، ورغم ذلك واصلت إثيوبيا بناءه الذي وصل إلى حد الآن 18 بالمئة منه.

بناء السد حسب الخبراء سينقص من الحصة الإضافية التي تحتاجها مصر وهي 15 مليار متر مكعب، لأن كل مليون نسمة يحتاجون إلى مليار متر مكعب من المياه، ومصر تبلغ حصتها من النيل 55،5 مليار متر مكعب تصل إلى 70 مليار متر مكعب بعد إضافة مياه الأمطار ومياه الآبار وتحلية مياه البحار، وبذلك تصبح مصر بحاجة إلى 15 مليار متر مكعب من المياه لوجود كثافة سكانية بنحو 85 مليون نسمة.

وأوضح الخبراء أن مصر لديها عجزا في المياه يزيد عن 10 مليارات متر مكعب، وبالتالي لن تستطيع تحمل اقتطاع 15 مليارا إضافيا بسبب بناء السد، وبذلك يكون إجمالي الفاقد المائي للبلاد 25 مليار متر مكعب ماء من الحصة الثابتة التي تقدر بنحو 55 مليار متر مكعب والتي من المفترض أن تصل إلى 70 مليار متر مربع سنويًا لاستيعاب الزيادة السكانية، كما يتسبب السد بشكل مباشر في تعطيل إنتاج ما يزيد عن مليون فدان من الأرض الزراعية، وعجز في الكهرباء يصل إلى 25 بالمئة من القوة الكهربائية المولدة في مصر بما يعدل إظلام ثلاث محافظات كاملة.

ما دفع إثيوبيا إلى المضي قدما في بناء السد دون الأخذ يعين الاعتبار المصالح المصرية، هو تساهل الرئيس السابق محمد مرسي في تعاطيه مع هذا الملف الحساس والحيوي، فقد تعامل مرسي مع الوضع بمرونة لا تتطلبها معالجة مثل هذه الأزمات التي تهدد مصر وأمنها القومي، فقد بدأت إثيوبيا في البناء في آخر زيارة قام بها الرئيس المعزول لإثيوبيا والتي لم يحظ فيها بحضور رسمي لاستقباله الذي اقتصر فقط على وزيرة التعدين الإثيوبية.

تساهل الديبلوماسية المصرية في عهد مرسي تجاه هذا الملف هو سبب من الأسباب التي سمحت بتطور الأزمة ضد مصالح مصر وأيضا السودان التي رغم أن هذه الأزمة تهدد مواردها الطبيعية فقد اختارت الوقوف في صف إثيوبيا في تحالف جديد اعتبرته الضمانة لاستمرار النظام.


مصالح النظام السوداني


إن سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر أثّر كثيراً على العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، ففي الوقت الذي تمسك فيه البلدان بحقوقهما في مياه النيل ضد سد النهضة الإثيوبي، خرجت الخرطوم من المعادلة وأعلنت موافقتها على بناء السد طلباً للطاقة والكهرباء، مما يعني رغبة البشير في زيادة المسافات مع القاهرة وإقامة تحولات جديدة مع إثيوبيا. هذا ما خرج به ميلاد حنا الخبير في الشأن السوداني، وواقعيا بدأت العلاقات بين البلدين تثمر اتفاقات اقتصادية مشتركة بعد أن دشنا مؤخرا خطا حدوديا للربط الكهربائي يقول المحللون إنه يهدف إلى تقوية العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا فيما يستمر التوتر مع مصر.

المناخ السياسي والاقتصادي السوداني الهش، حتم على جعل إثيوبيا حليفا إقليميا ورئيسيا، خاصة وأن أديس أبابا أبدت استعدادا للتوسط في حل النزاعات مع جنوب السودان، وتوفير قوات حفظ السلام في أبيي، وحل المشاكل الاقتصادية التي تواجهها الخرطوم، وهو ما جعل البشير يوافق على دعم بلاده في بناء سد النهضة وفك معضلة التماسك مع القاهرة.

وفي رأي حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن المسؤولين السودانيين اعتقدوا أن بقاء مصر بمفردها تعارض بناء سد النهضة لن يقف حائلاً أمام استكمال المشروع الإثيوبي، خاصةً وأن الخرطوم لديها أسباب في دعم أديس أبابا بشأن قضية السد، منها كون المشروع سوف يساهم في زيادة مساحة الأراضي المزروعة في السودان، وأيضاً إمكانية توريد الطاقة المتعطشة إليها الخرطوم بأسعار رخيصة، موضحاً أن العداء بين جوبا والخرطوم جعل الانقسامات الأخيرة داخل الأحزاب الحاكمة في كل منهما على استعداد لتصعيد دعمها للحركات الانفصالية في البلد الآخر.

سقوط الإخوان المسلمين في مصر أثّر كثيراً على العلاقات بين الخرطوم والقاهرة

هذا فضلاً عن سعي أديس أبابا إلى إقناع الدول الأفريقية بدعم احتياجات الخرطوم للحفاظ على استقرارها واستغلال انشغال جيرانها العرب في مشاكلهم الداخلية، وهو ما أدى إلى بروز تحولات في علاقة جديدة بين السودان وإثيوبيا بعيداً عن مصر، فضلاً عن أن أديس أبابا رفضت الاعتراف بالاستفتاء الذي جرى مؤخراً لاتخاذ قرار بشأن مستقبل منطقة أبيي، التي يطالب بها كل من السودان وجنوب السودان، كما أن الاتحاد الأفريقي أكد أن الاستفتاء غير قانوني.

وهو يشكل تهديداً للسلام بين السودان وجنوب السودان، في ظل صمت تام من الجامعة العربية عما يحدث في هذه المنطقة التي قد تشعل صراعاً جديداً بين الجارتين السودانيتين.

كما أن إثيوبيا قامت بنشر قوات حفظ سلام عند منطقة أبيي قوامها أربعة آلاف جندي كجزء من قوة الأمم المتحدة المؤقتة، وهو ما يؤكد صعودا في رحلة العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.


دور إسرائيلي


لا يغفل المتتبعون لأهمية مسألة المياه في العالم أهميته في تأسيس القوة السياسية والاقتصادية للدول، وخاصة كيفية استغلالها لتحقيق مصالحها الخاصة مثل إسرائيل التي يعتقد الكثير من المحللين السياسيين أن لها دورا كبيرا في تأجيج الأزمة ودفع دول حوض النيل إلى الصراعات من أجل اقتسام المياه، لتحقيق مخططها التوسعي، فقد كان الحلم الإسرائيلي منذ تأسيس دولته على الأراضي الفلسطينية السيطرة على مفاصل الحياة الأساسية في المنطقة وعلى رأسها المياه، ويستدل على ذلك الشعار الذي يرفعه الكيان داخل الكنيست وهو عقيدة عندهم "إن دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات".

لا يمكن لإسرائيل أن تفوت مثل هذه الفرصة التي سهل في تحقيقها، تغلغلها على مر السنين في دول حوض النيل، وخاصة في إثيوبيا التي تربطها علاقات وثيقة مع إسرائيل وتعاون في شتى المجالات، ولا يستبعد المراقبون تعمد إسرائيل تحريض الدول الأفريقية على مصر في هذا الاتجاه، لكي تتضرر مصر ويتأثر اقتصادها.

يعزز ضياء القوصي نائب رئيس المركز القومي لبحوث المياه‏، الآراء الذاهبة في هذا الاتجاه، نظرًا إلى أن أهداف إسرائيل التوسعية هي كيفية الوصول إلى دول منبع أحواض الأنهار العربية، وخاصة نهر النيل، وبالفعل وجدت إسرائيل ضالتها عند "إثيوبيا" حيث ساعدتها مالياً في إنشاء وبناء سدود مثل سد "النهضة"، إلى جانب ملء آذان قادتها بتعديل الاتفاقية التاريخية لتوزيع مياه النيل على دول المنبع ودول الحوض أو ما يعرف باتفاقية "عنتيبي"، كما قامت إسرائيل بتحريض الدول الأفريقية ومنها إثيوبيا.

6