التحدث مع الرضع يطور مهاراتهم اللغوية والمعرفية

الأربعاء 2015/01/14
القراءة للطفل المنبع الأساس لدعم عملية التعلم

من المتعارف، أن مناغاة الأطفال حديثي الولادة من قبل الأهل والأشقاء الأكبر سنا يسهم في تعزيز مهارات الكلام والاتصال في سنوات عمرهم المبكرة، لكن متخصصين يؤكدون أن الفوائد من محاولة توجيه الحديث للأطفال خاصة في السنة الأولى من حياتهم قد تتعدى مجرد تطوير مفردات الكلام، إلى تمكينهم من تكوين أصدقاء فيما بعد واستكشاف العالم من حولهم بصورة مبكرة.

في السنوات الأخيرة، نوهت العديد من الدراسات لمتخصصين في علم نفس الطفولة إلى أن الفجوة بين الأهل وأطفالهم الرضع بدأت تتسع في الآونة الأخيرة وخاصة في العائلات الفقيرة، بسبب عدم رغبة الأهل في التحدث مع الصغار أو تشجيعهم على تعلم المفردات وأدوات الاتصال الأخرى، ما يتسبب في تراجع مستواهم الدراسي في مراحل التعليم المبكرة وبالتالي قدرتهم على التعامل مع مجتمعهم في وقت لاحق.

وتشير ساندرا واكسمان؛ وهي اختصاصية نفسية في جامعة نورث ويسترن في إيفانستون- ولاية الينوي الأميركية، إلى أننا لا يمكن أن نلقي باللوم على الصغار بسبب مخزونهم الفقير من المفردات الذي يتسبب في تراجع مستواهم الدراسي، لأن ذلك يعد الحصيلة المتراكمة لخبرات سنوات الطفولة المبكرة المتعلقة باللغة المتبادلة مع محيطهم، الذي يمثله في تلك المرحلة الأم والأب والأشقاء الأكبر سنا.

وأوصت واكسمان في بحثها المنشور في مجلة “الاتجاهات في العلوم المعرفية” بضرورة التحدث مع الصغار وتشجيعهم على استخدام المفردات اللغوية المتنوعة للتعبير عن احتياجاتهم وتعزيز اتصالهم بمحيطهم، لتأسيس قدراتهم النفسية والاجتماعية والمعرفية، التي تشكل وعيهم المعرفي لرفد عملية التعلم لاحقا، كما أن الانصات والانتباه لحديث الآخرين يزيد من اهتمام الطفل بالأشخاص والأشياء التي تشكل عالمه الصغير، وهذا التركيز من شأنه أن يعزز عملية التعلم.

فالأطفال في الشهر الثاني أو الثالث من عمرهم مثلا، لديهم حساسية للغة المنطوقة وهي تعمل بصورة إيجابية في تطوير مهارات أخرى اجتماعية ونفسية ومعرفية خارج نطاق اللغة.

حديث الأم وهي غائبة الذهن مع طفلها أثناء أدائها أعمالها المنزلية، قد يحقق نتائج أكثر جدوى في تحسين مهاراته

من ناحية أخرى، أبدى باحثون اهتماما متواصلا بحكاية قبل النوم التي يقدمها بعض الآباء كمادة دسمة لأطفالهم الصغار، مشددين على الدور الذي تلعبه هذه الحكايات في تطوير مهارات الطفل اللغوية والتي تأتي على شكل قصص مسلية ومفيدة في وقت انتقائي؛ حيث يكون ذهن الطفل وهو يتهيأ إلى النوم صافيا ما يسهل تطويعه لتقبل مزيد من المفردات والعبر التي تحتويها هذه القصص

. إلا أن عديدا من أولياء الأمور في هذه الأيام، قد لا يجدون الوقت الكافي أو الرغبة في أداء هذه المهمة، وجل اهتمامهم ينصب على وضع الطفل في فراشه ومساعدته على النوم مبكرا ليتسنى لهم التقاط أنفاسهم بعد يوم عمل طويل وشاق، في حين تتجاهل معظم الأمهات الاستجابة لطلبات صغارها المتعلقة بحكاية قبل النوم، بعد أن يكون حمل الأعمال المنزلية قد استنفد جل طاقاتهن.

وتنبه باحثون إيرلنديون إلى هذه المشكلة وأجروا دراسة عن أهمية قراءة ما قبل النوم على الأطفال الرضع في سن تسعة أشهر، وشملت العينة أكثر من سبعة آلاف طفل، حيث بينت النتائج أن حديث الأم وهي غائبة الذهن مع طفلها أثناء أدائها أعمالها المنزلية، قد يحقق نتائج أكثر جدوى في تحسين مهاراته في التواصل من قراءة ما قبل النوم بمعدل أربعة أضعاف.

كما توصل باحثون في معهد الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية إلى نتائج متشابهة، وأثبتوا أن التحدث مع الأطفال بصورة مستمرة في المنزل من شأنه أن يعالج بعض المشاكل المتعلقة بمهاراتهم في اللغة بمعدل ثلاثة أضعاف.

وتشير سوزان إيغان؛ وهي محاضرة في مادة علم النفس في كلية القديسة ماري في جامعة ليميرك، إلى أن هذه النتائج قد أثارت دهشتها حيث أبدى متخصصون لسنوات طويلة اهتمامهم بالقراءة للطفل باعتبارها المنبع الأساس لدعم عملية التعلم، ولم يعر أحداً اهتماماً بالفوائد الجمة للتحدث مع الطفل في المنزل.

ومن هذا المنطلق، يعكف باحثون في الوقت الحاضر على رصد أنجع وأسرع الطرق لتعزيز مهارات الأطفال اللغوية، سواء أكانت من خلال قراءة القصص لهم في المساء أو التحدث المطول معهم أثناء اليوم، موسعين مدى دراساتهم على فترات زمنية أطول من عمر الطفل تمتد إلى ثلاث سنوات.

الأهل يميلون إلى الصمت عند متابعة برامج التلفزيون، الأمر الذي يحرم الأطفال من الاستمتاع بالحديث معهم

وأحدث الدراسات التي اهتمت بموضوع القراءة للطفل، تمت بإشراف باحثين في الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال؛ أثبتت أن القراءة للأطفال حتى في أعمار مبكرة جداً تنطوي على فوائد جمة أهمها، إضافة متزايدة لمفردات لغتهم وتطويعهم لاستكشاف المنطقة المتعلقة بحل المشكلات؛ من خلال استقرائهم لأحداث القصص وتحليلهم لشخصياتها.

ويشكل مقدار وطريقة استجابتهم للحكايات التي يقرأها عليهم الأهل، مؤشرا لمستقبل أدائهم المدرسي في مرحلة ما قبل المدرسة وبعدها أيضاً.

وفي الوقت ذاته، أوصى المشرفون على هذه الدراسة الأهل بضرورة عدم تشجيع الأطفال في سن العامين أو أقل على مشاهدة برامج التلفزيزن بصورة مكثفة، بسبب تأثيرها السلبي إذ تتسبب في إعاقة تكوين المفردات اللغوية وتعطل أدوات التواصل مع المحيط الاجتماعي بسبب الضوضاء والأصوات المتداخلة والمواضيع التي لا تتناسب مع متطلبات المرحلة العمرية للطفل، إضافة إلى أن الأهل يميلون إلى الصمت عند متابعة برامج التلفزيون، الأمر الذي يحرم الأطفال من الاستمتاع بالحديث معهم وتبادل أدوات الكلام من حيث عدد الكلمات التي يسمعها الطفل، والتي تشهد تراجعاً ملحوظا بسبب الاعتماد على التلفزيون.

21