التحديات الأمنية تضرب حرية العمل الصحافي في تونس

شنت نقابة الصحافيين التونسيين هجوما حادا على الحكومة، بسبب الإجراءات المشددة والتضييق على عمل الصحافيين والمراسلين الأجانب، واعتبرت أنها بمثابة تغطية على إخفاقها في اكتشاف الصحافي الإسرائيلي الذي تمكن من دخول البلاد وإجراء تغطية إعلامية لصالح القناة العاشرة الإسرائيلية دون أن تتم ملاحظته.
الجمعة 2016/12/23
مراسلون في دائرة الاتهام

تونس- لم تنته بعد تداعيات دخول صحافي إسرائيلي إلى تونس، ونجاحه في القيام بتغطية إعلامية دون أن يتم اكتشاف أمره، فبعد الضجة الكبيرة التي أثيرت حول الموضوع واستنكار جهات سياسية وإعلامية عديدة للحادثة، بدأت مشكلات من نوع آخر تتعلق بالتشديد الأمني على عمل الصحافيين في البلاد. وعبرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، في بيان لها، الأربعاء، عن استيائها البالغ من تصاعد وتيرة التضييق على الصحافيين التونسيين، ومراسلي وسائل الإعلام الأجنبية وطواقمها، على خلفيّة تداعيات اغتيال المهندس محمد الزواري، الخميس الماضي، في مدينة صفاقس، وقيام صحافي إسرائيلي بتغطية إعلامية داخل البلاد.

وأفادت النقابة في هذا الصدد، بأنه تم منع الصحافية روضة بوطار من وكالة تونس أفريقيا للأنباء، الثلاثاء، من تغطية حراك احتجاجي بمدينة بنقردان من مدنين، ومطالبتها بترخيص رغم إظهارها لكل وثائقها المهنيّة، ومنع الصحافي أمان الله ميساوي، الأربعاء، من التصوير بساحة “جان دارك” بالعاصمة، إلى جانب مضايقة أغلب طواقم وسائل الإعلام الأجنبية أثناء تغطيتها وقفة احتجاجية سلمية، الثلاثاء، أمام المسرح البلدي بالعاصمة، للتنديد باغتيال محمد الزواري.

واعتبرت النقابة أنّ وزارة الداخلية تسعى من خلال هذا التصعيد “إلى التغطية على الإخفاق الأمني المتعلق باغتيال الزواري، واستباحة صحافي إسرائيلي للسيادة الوطنيّة، والتحجج بالتحديات الأمنية لضرب حقّ الصحافيين في ممارسة عملهم بكل حريةّ، ومنع التونسيات والتونسيين من الحصول على معلومات دقيقة وذات مصداقيّة”. وسببت هذه القضية حرجا بالغا للسلطات، وانتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يبدو أنه ترك أثره على تعامل الأجهزة الأمنية مع الصحافيين، وتشديد الضغوط على ممارسة العمل الصحافي دون ترخيص للمراسلين الأجانب، إذ أن القانون التونسي يفرض على الإعلاميين الأجانب الحصول على ترخيص من مصالح الإعلام والاتصال برئاسة الحكومة للقيام بأي عمل صحافي في تونس.

مواف فاردي في القناة "العاشرة" الإسرائيلية دخل تونس قادما من إيطاليا بجواز سفر ألماني وقدم نفسه على أنه كاتب

وصرح المستشار الإعلامي برئاسة الحكومة، مفدي المسدي، بأن مصالح الإعلام والاتصال برئاسة الحكومة لم تمنح ترخيصا لمراسل القناة العاشرة الإسرائيلية للقيام بعمل صحافي داخل التراب التونسي. وأضاف المسدي أن رئاسة الحكومة تقوم بتحريات حاليا لمعرفة كيفية قيام مراسل القناة الإسرائيلية بتقرير تلفزيوني في تونس حول حادثة اغتيال محمد الزواري في صفاقس. وأعلنت وزارة الداخلية “ضبط” ستة تونسيين ساعدوا الصحافي وفتح تحقيق بشأنهم، وبشأن عناصر أمن قد يثبت تقصيرهم. واستدعت وزارة الخارجية التونسية، الاثنين، سفير ألمانيا “لطلب توضيحات” حول هوية الصحافي الذي دخل البلاد بجواز سفر ألماني، وفق بيان للوزارة.

لكن نقابة الصحافيين اعتبرت أن تعامل الأجهزة الأمنية مع الصحافيين بمثابة تضييق وإهانة، وحملت وزير الداخليّة “مسؤوليّة تواصل مثل هذه الممارسات المهينة للمهنة الصحافية وللصحافيين”، رغم النداءات المتكررة بضرورة احترام القوانين والإجراءات المنظمة للمهنة، وخاصة المتعلق منها بالتراخيص والاعتمادات، والالتزام بكل التعهدات التي حصلت أثناء دورات تدريبية وندوات نظمتها النقابة بالشراكة مع وزارة الداخلية، مذكرة السلطات التونسيّة بكل التزامات الدولة في هذا الصدد، وخاصة توقيع رئيس الجمهورية على الإعلان العربي لحرية الإعلام في 26 أغسطس الماضي.

من جهته طالب مركز تونس لحرية الصحافة السلطات التونسية بـ”فتح تحقيق فوري وجدي من أجل توضيح الظروف التي أحاطت بتمكن فريق تلفزيوني إسرائيلي من التحرك بهوية مزيفة في تونس وبث مندوب القناة الإسرائيلية لملابسات اغتيال المهندس محمد الزواري” الجمعة الماضي . ونبه، من خلال ذات البيان، إلى “مخاطر الدعوات الصادرة عن بعض الأطراف المعادية للحريات والتي تستغل مثل هذا الظرف للمناداة بتقييد حرية الصحافة والتعبير التي ضحت من أجلها أجيال ومثلت أهم إنجازات الثورة”.

ودخل مواف فاردي الصحافي في القناة “العاشرة” الإسرائيلية تونس يوم 17 ديسمبر قادما من إيطاليا بجواز سفر ألماني وقدم نفسه على أنه “كاتب”، وغادرها صباح اليوم التالي، بحسب وزارة الداخلية التونسية. وانتقل الصحافي إلى صفاقس التي تبعد نحو 270 كلم جنوب العاصمة تونس، وأنجز تحقيقا صحافيا أمام منزل الزواري وحاور عددا من المواطنين، وعاد مساء إلى العاصمة حيث قضى الليلة في فندق حجز فيه عبر الإنترنت. وقبل مغادرته تونس، سجل الصحافي مراسلة (غير مباشرة) في مكان يبعد نحو 200 متر عن مقر وزارة الداخلية من دون أن تنتبه إليه قوات الأمن رغم أنه كان يحمل، خلال التسجيل، شعار القناة ويتكلم باللغة العبرية.

بدورها طالبت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس، الفيدرالية الدولية للصحافيين (FIJ) بموقف مسؤول وواضح يتعلق بالإساءة للعمل الصحافي من خلال انتحال الصفة وزجه في العمل الاستخباراتي، وهو ما من شأنه المس من شرف وسمعة المهنة. يشار إلى أنه تم تداول فيديو للقناة العاشرة الإسرائيلية على وسائل التواصل الاجتماعي التونسية تضمن قيام فريق صحافي إسرائيلي بالتنقل إلى ولاية صفاقس والتصوير أمام منزل محمد الزواري البالغ من العمر 49 عاما والذي اغتيل الأسبوع الماضي في منطقة العين داخل سيارته وأمام منزله.

18