التحديات الأمنية تفرض تعزيز التنسيق بين باريس والرباط

زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا تصب في اتجاه دعم التنسيق وتطويره في مجابهة التحديات الأمنية. ويعزز هذا الفهم ما أبانت عنه الأجهزة الأمنية من كفاءة في تطويق الخلايا الإرهابية وتفكيكها، كان من نتائجه التعاون الأمني والاستخباراتي الفرنسي المغربي.
الأحد 2016/02/21
دبلوماسية نشطة

الرباط - تأتي زيارة العمل والصداقة التي قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس لفرنسا في ظروف جيوسياسية جد دقيقة تمر منها المنطقة. وتحرك العاهل المغربي نحو باريس تحكمه مجموعة من الأبعاد والدلالات ذات صبغة أمنية وسياسية وثقافية.

وقد سبق للرئيس الفرنسي أن قام بزيارة للمغرب في سبتمبر من العام 2015، تجييرا للعلاقات البينية، التي كانت في مرحلة أزمة توقف على إثرها التعاون الأمني والقضائي بينهما لمدة سنة، ودعما للتعاون الأمني ضد داعش الذي يحاول إشعال منطقة شمال أفريقيا وبلدان الساحل الأفريقي وزعزعة أمن أوروبا.

وكان الناطق الرسمي باسم الخارجية الفرنسية رومان نادال قد وصف العلاقات المغربية الفرنسية، بــ”الشراكة الخاصة” التي تجمع بين البلدين.

وسجل لقاء العاهل المغربي والرئيس الفرنسي، ارتياحا متبادلا للزخم الجديد الذي يطبع العلاقات بين البلدين، كما جددا إرادتهما مواصلة مشاوراتهما، للتعاون الوثيق في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، باحثين مجالات جديدة للتعاون، خاصة في مجال الأمن ومحاربة التطرف.

ومن الملاحظ أن الزيارة الملكية لفرنسا جاءت أياما بعد قيام العاهل المغربي بتدشين عدة مشاريع تنموية واقتصادية بالعيون والداخلة من كبريات مدن الجنوب المغربي، وأيضا ترؤسه أول مجلس وزاري بالعيون عاصمة الصحراء وكذلك تدعيم الجهاز الدبلوماسي بسفراء جدد يتقدمهم الحقوقيون، وتسمية وزير منتدب في الخارجية ناصر بوريطة المطّلع الجيد على الملفات ومنها ملف الصحراء المغربية.

وتصبّ كل هذه التحركات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية التي يقوم بها الملك محمد السادس داخليا وخارجيا، في إطار الرد الذكي والحاسم على كل من يحاول اختراق ملف الصحراء، لتقويض الوحدة الترابية للمغرب والتأكيد على أن المملكة جاهزة لأيّ مناورة في هذا الاتجاه.

كما تكتسي الزيارة دلالتها كرسالة استباقية لأيّ مخرجات سياسية داخل مجلس الأمن في أبريل المقبل، بعد الزيارة التي يقوم بها كريستوفر روس مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة داخل المنطقة، وتلك المرتقبة لبان كي مون بتوصية مجلس الأمن الدولي للقاء الأطراف المتنازعة، لإعطاء جرعة إضافية من المفاوضات المتوقفة.

التحركات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية التي يقوم بها الملك محمد السادس داخليا وخارجيا، تأتي في إطار الرد الذكي والحاسم على كل من يحاول اختراق ملف الصحراء

ولا يخفى أن دبلوماسية العاهل المغربي المرتبطة بقضية الوحدة الترابية للمملكة، كانت دوما حاسمة في رفض أيّ إملاءات خارجية أو توجهات تحاول فرض حل فصل الأقاليم الجنوبية عن سيادة المغرب. وعبّر الملك محمد السادس في الكثير من المناسبات على أن أيّ حل خارج سقف الحكم الذاتي في إطار سيادة المغرب غير مقبول.

والمرجّح أن المباحثات بين ملك المغرب والرئيس الفرنسي لن تغفل هذه النقطة سواء على مستوى النموذج الاقتصادي والتنموي الذي أطلقه المغرب في الأقاليم الجنوبية، أو في الشقّ المتعلق بالجهود التي يبذلها المغرب في مواجهة التطرف والإرهاب العابر للساحل والصحراء.

والأساسي في المباحثات الثنائية بين قائدا البلدين هو تجاوزهما لبرودة العلاقات بينهما خدمة للتعاون الفرنسي المغربي داخل إفريقيا، وتطويقا لأي قرار سلبي يخترق ملف الصحراء المغربية من داخل مجلس الأمن في ابريل 2016.

ويخطّط الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، لزيارة المنطقة في مارس المقبل، تمهيدا للتقرير السنوي الذي يصدره مجلس الأمن في أبريل المقبل. وهناك من خصوم الوحدة الترابية للمغرب يقول إن الزيارة الملكية لفرنسا يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على القرار الذي سيقدّمه بان كي مون لمجلس الأمن.

لكن الأكاديمي المتخصص في قضايا الصحراء والشؤون الأفريقية، عبدالفتاح الفاتحي، يؤكد لـ”العرب”، أن المغرب لا ينفك يطالب بالتحكيم الأممي لإيجاد تسوية سياسية لنزاع الصحراء، ولذلك فإن زيارة الملك محمد السادس لفرنسا أكبر بكثير من أن تتمحور حول زيارة بان كي مون للمنطقة.

توافقت زيارة الملك محمد السادس لباريس، مع الذكرى الـ27 لإعلان قيام الاتحاد المغاربي، حيث تزداد القناعة إلى ضرورة إحيائه على أسس معاهدة مراكش 1989 تيسيرا لعمليات التنسيق الأمني بين كل دول المنطقة

وأضاف الخبير المغربي عبدالفتاح الفاتحي، أن هناك بعض المنابر الإعلامية الجزائرية تحاول التشويش على هذا التنسيق المكثف بين المغرب وفرنسا، ولذلك تدّعي أن زيارة الملك لباريس لها علاقة بزيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى المنطقة، فيما أن المغرب واضح بهذا الخصوص، وأن مشاوراته ميسرة مع الأمم المتحدة.

وتعتبر الأوضاع الأمنية بليبيا غاية في الخطورة وتمدد داعش بهذا البلد يهدد بالأفظع سواء ضد الدول المجاورة أو مصالح دول غربية ومنها فرنسا، وهذا ما أكد عليه بلاغ صادر عن الإليزيه، بعد اجتماع العاهل المغربي والرئيس الفرنسي، على أن الأوضاع في ليبيا تؤثر على تنمية المنطقة المغاربية والعربية عموما.

واعتزم القائدان على العمل معا لتسوية النزاعات الإقليمية والدولية ومنها الوضع المتأزم في ليبيا.

وقال الخبير المغربي في قضايا الصحراء والشؤون الأفريقية، عبدالفتاح الفاتحي، في تصريحه لـ”العرب”، إن محادثات الملك محمد السادس مع الرئيس فرانسوا هولاند بخصوص الأزمة الليبية وتداعياتها على التنسيق الأمني بين المغرب وفرنسا لحماية المنطقة المتوسطية، تحكمها عدة اعتبارات أساسية منها:

أولا، المغرب يعد عضوا فعالا في الأمم المتحدة، ولذلك يساهم بجد في إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية، مضيفا أنه أثبت حسن مساهمته للتوصل إلى اتفاق ينهي حالة الانقسام والعنف والفوضى التي تشهدها ليبيا والتصدي لانتشار الميليشيات المتشددة، ومن بينها تنظيم داعش.

ثانيا، كون المغرب ملتزم بدوره في أمن واستقرار المنطقة المغاربية، فإنه حافظ على مساندته للفرقاء الليبيين إلى أن تم توقيعهم على اتفاق الصخيرات ويواكب مع الأمم المتحدة سير تشكيل حكومة وحدة وطنية تؤسس لانتقال سلمي في ليبيا.

وتؤكد زيارة العاهل المغربي لفرنسا في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة، على أن المغرب في تحركاته داخل مجاله الإقليمي والدولي تحكمه الرغبة في إعادة خلق توازن داخل المنطقة تحقيقا للاستقرار الذي تهدده داعش والجماعات المسلحة من ليبيا.

وتوافقت زيارة الملك محمد السادس لباريس، مع الذكرى الـ27 لإعلان قيام الاتحاد المغاربي، حيث تزداد القناعة إلى ضرورة إحيائه على أسس معاهدة مراكش 1989، تيسيرا لعمليات التنسيق الأمني بين كل دول المنطقة وضمان فعالية محاربة الإرهاب فيها. خصوصا أن الوضع في ليبيا يحتاج إلى تعاون مغاربي مشترك للقضاء على تنظيم داعش في المحيط المغاربي والمتوسطي.

2