التحديات الإقليمية المتنامية تستوجب استراتيجية عربية واقعية

الأربعاء 2015/03/18
التواجد الإيراني في العراق أحد أبرز مكاسب طهران من مفاوضات الملف النووي

بغض النظر عما ستسفر عنه المفاوضات الإيرانية الغربية وطبيعة الاتفاق المبرم، ثمَة تقارب يلوح في الأفق مع اقتراب موعد 30 يونيو 2015 بين الطرفين الغربي والإيراني في مسار المفاوضات النووية التي يسعى الإيرانيون إلى الخروج منها بأكبر قدر من المكاسب التي تخدم مصالحهم في المنطقة.

مكاسب تجعل العرب طرفا ثالثا معنيا بهذا الاتفاق الذي يسعى كل من أوباما والإيرانيين إلى تحقيقه على حساب أمن المنطقة، وهو ما بات يدفع البلدان العربية أكثر من أيّ وقت مضى إلى ضبط استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار مجمل التداعيات التي يمكن أن تنجر عن هذا الاتفاق المراوغ على رقع شطرنج ملتهبة.

بات من الواضح أنّ البلدان العربية أضحت تفكّر مليّا في الاستراتيجية التي يمكن أن تنتهجها إزاء تطورات الملف النووي الإيراني، وفي مجمل الخيارات التي تتراوح بين الوقوف ضدّ هذا الاتفاق وتبنّيه في حدوده وشروطه، وكيفية احتواء نزعات الهيمنة الإيرانية الإقليمية، فضلا عن طبيعة السياسات العربية الملائمة التي يجب تحديدها تجاه إيران.

استراتيجية واقعية حيال معادلة معالجة التمدّد الإيراني وخطره على الأمن الإقليمي وما يمكن أن ينجرّ عنه من تقويض لاستقرار المنطقة، أضحت اليوم مهمة مستعجلة بالنسبة للبلدان العربية، وغير مرهونة بانتظار الإعلان النهائي عمّا ستؤول إليه المفاوضات، التي تطرح فرضية غضّ الطرف من قبل الجانبين الإيراني والغربي عن المصالح العربية عند بلورة الاتفاق، وهو ما يتطلّب وعيا عربيا مضاعفا بمسارات التداعيات المحتملة ويقتضي لغة جديدة في المعالجة تخرج عن محدّدات السياسة العربية التّقليدية.

التواجد الخليجي والعربي في البلدان التي تشهد تدخلا إيرانيا يحول دون تفككها وتفتت صروحها الوطنية

اتفاق على حساب المصالح العربية

وصلت المفاوضات النووية بين إيران والغرب إلى طور المعالجة الفنية التي تلي فترة المعالجة السياسية، بعد أن نجح الإيرانيون في نهج سياسة النفس الطويل والمماطلة مع توقف لالتقاط الأنفاس بين الفترة والأخرى لكسب الوقت وتجاوز “العتبة النووية” نظريا وعلميا على الأقل، حيث كانت سجادة المفاوضات الإيرانية تطوى ويتم بسطها ليُعاد طيُّها من جديد، فضلا عن استمرار التفاوض حول مصالح اقتصادية مشتركة جنبا لجنب، وهو ما زاد من اهتمام الغرب بهذه المفاوضات وحرصه على استمرارها ومتابعتها، حرصا منه على التخطيط مبكرا لعودة الشركات الغربية الكبرى لاحقا إلى الأسواق الإيرانية على هامش تقدّم المفاوضات السياسية. وقد أدركت إيران مبكّرا أن مغزى الاتفاقية يندرج في سياق تحقيق ثلاث نتائج:

* أولا رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية والمالية لكي تحتل من جديد مكانة في المشاريع الاقتصادية العالمية التي تدعم نفوذها الجيوسياسي، مثل مشروع ربط الصين بالمتوسط عبر خطوط حديدية، فضلا عن تقوية موانئها الجنوبية والشرقية لكي تستقبل بواخر وناقلات عملاقة، مما يجعل منها منفذا تجاريا بحريا لدول آسيا الوسطى.

* ثانيا الاحتفاظ كليا بكل ما اكتسبته طوال هذه الفترة الماضية في مسار برنامجها النووي، وهو ما يتجلّى في عدم رغبتها في تخفيض أجهزة الطرد المركزي من 10 آلاف إلى 1500 جهاز، قبل أن يتم رفع العدد من أعضاء المجموعة الدولية إلى 4500 جهاز، على أن تكون مدّة الاتفاق 15 عاما، بينما اقترحت طهران 7 سنوات فحسب.

دعم طهران للحوثيين أصبح جليا وخاصة بمدّهم بالسلاح ودفعهم للانقلاب على الشرعية

* ثالثا الاعتراف بدور إقليمي نافذ لها في المنطقة يبوئها مكانة قطب فاعل، ممّا يُخوّل لها عودة قوية على مسرح العلاقات الدولية ويجعلها طرفا أساسيا في المنطقة لدى القوى الكبرى.

ومن خلال مراجعة الأحداث والمواقف، يسعى قادة طهران بالتدرّج إلى تحقيق هذه الأهداف الثلاثة عبر توسيع أفق العلاقات على كافّة المستويات وتطويرها من خلال تعاونها مع الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان واستغلال الحرب على الإرهاب في العراق.

وفي حين يبدو تحقيق هذه المكاسب طبيعيّا بين طرفين متصارعين شهدت العلاقة بينهما انقطاعا دام لأكثر من ثلاثين سنة من جهة، يبدو من جهة أخرى أنّ مرتكزات هذا التقارب تتمّ في الواقع على حساب الطرف العربي، خاصّة إذا ما أُخذت العوامل الحاكمة للسياسة الإيرانية حيال العالم العربي بعين الاعتبار، ففي ظل تكريس المنطق الطائفي في كلّ من سوريا والعراق واليمن، وهو الذي أصبح عاملا من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي الذي تستعمله طهران، وفي ظلّ تنامي الخطر الإرهابي والتّطرف المتشابك معه الذي يزدهر في مناطق هشة سياسيا وأمنيا تحيط بها فوضى ودعوات انفصالية، تتزايد فرضيّة التدخل الإيراني المفضوح، ممّا ينذر باحتمال حدوث تحولات تاريخية مهمة في المنطقة، كانت قد بدأت مع إطلاق موجة التغيير الإقليمي في مخطط إدارة بوش الابن ونهج سياسة “الفوضى الخلاقة” مع كوندوليزا رايس، ثم تلاه نهج مخطط ديك تشيني في مجال الطاقة الذي وضع لبنات تخفيض الاعتماد على البترول العربي إلى أقصى حد ممكن، خاصة التعويل على إنتاج النفط الصخري منذ عام 2011 والطاقة المتجددة، وصولا إلى إعلان الإدارة الأميركية الحالية نقل تركيزها الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى مناطق جنوب وجنوب شرق آسيا ذات النمو السريع.

لذلك أضحى لزاما على الجانب العربي أن يعمل على تحديد كيفية تحجيم التمدد الإيراني في المنطقة العربية والحدّ من وسائله وآلياته وخياراته، وهو ما يستدعي بلورة استراتيجية تتماشى مع أيّ آثار محتملة يمكن أن تنتج عن هذه التسوية-الاتفاقية المراوغة، وتركز على تداعياتها السلبية على التوازنات الإقليمية في ظل استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث وتهديد أمن الخليج وتدخّل طهران في كلّ من العراق وسوريا واليمن من خلال أذرعها وميليشياتهاالطائفية التي تحدث الفوضى أينما حلت.

أحد ثوابت السياسة الإيرانية مع محيطها العربي يتجلى في نهج سياسة عدائية قوامها استخدام القوة ومحاولة الهيمنة

نهج عدائي مستمر

يتجلى أحد ثوابت السياسة الإيرانية مع محيطها العربي في نهج سياسة عدائية، قوامها استخدام القوة ومحاولة الهيمنة والتدخل بكافة الأشكال المراوغة والمختلفة، حيث استهدفت إيران العالم العربي بشعارات “الثورة” وتصديرها من منطلق خطاب ولاية الفقيه، إلاّ أن هذا التوجه عندما فشل، بادر أصحابه إلى ترتيب مخططات جديدة حاولت أن تضرب من خلالها إيران علاقة الحكام بشعوبهم، مروجة لنفسها صورة “حليفة المستضعفين والمظلومين”، ثم استغلت أحداث 11 سبتمبر 2001 للتخلص من نظامين في نفس الوقت من خلال الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ومباركة اجتياح أميركا لأفغانستان.

وقد عملت إيران على توظيف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على الإرهاب بما يخدم مصالحها الاستراتيجية (محاولة إقناع الغرب بأنّ مشكلة التطرف تتعلق بالمذهب السنيّ، مستثنية الجماعات الشيعية المتطرفة). كما سعت إلى استغلال العامل الطائفي والمذهبي لتوسيع نفوذها في المنطقة، وذلك برعايتها لتيارات سياسية (شيعية) عراقية ودعمها، فضلا عن تصفية كوادر الجيش العراقي المنحل، ممّا خلق كل الظروف لتمكين تيارات شيعية رعتها في طهران وأغدقت عليها دعما ماليا وعسكريا، من الحكم في العراق بمباركة أميركية مباشرة.

على إثر انكشاف برنامجها النووي، سعت طهران إلى خلق ما أسمته “محور الممانعة” حيال “محور الاعتدال”، فضلا عن تحييد كلّ من تركيا وقطر وسلطنة عمان بين المحورين لتعويم تدخلاتها في خضمّ التناقضات العربية، في الوقت الذي سعت إلى محاصرة قوى الاعتدال على الجانبين السني والشيعي إعلاميا وثقافيا داخل إيران.

خطوة عدائية أخرى عمدت إليها إيران تجاه العرب، تمثّلت في ربط ما سُمّي بـ”الربيع العربي” بشعار “الصحوة الإسلامية” ودعمها للإسلاميين في المشهد السياسي، إلاّ أنّ حقيقة ادّعائها سرعان ما انكشفت عندما هبّت لدعم نظام بشار الأسد على حساب الشعب السوري الذي ثار ضدّ الجور والظلم فنال القتل والتهجير. كما ثبت أنّ إيران استغلّت بشكل مكشوف الحركات السياسية الشيعية في البحرين لتأليب الشعب الآمن على حكامه، فضلا عن استغلال تدافع الحراك السياسي اليمني ودفع الحوثيّين إلى الأمام ومدّهم بالسلاح ودفعهم للانقلاب على الشرعية.

طهران استقدمت ميليشيات حزب الله لدعم نظام الأسد وتوسيع نفوذها في رقعة المعركة

النزعات التوسعية التي تقود السياسة الإيرانية تجلّت كذلك، مع ظهور قاسم سليماني قائد فيلق القدس مع مقاتلي البيشمركة الأكراد في شمال العراق، مما يؤكّد الدور المكشوف الذي باتت تلعبه إيران في المنطقة بموافقة (ولو ضمنية) من واشنطن، ناهيك عن تصريح ممثل المرشد في الحرس الثوري علي سعيدي، الذي قال “يجب تعجيل عودة المهدي المنتظر بإحداث تغيرات في الدول المحيطة بإيران”. وبذلك تحوّلت مهمة محاربة “داعش” من مهمة عراقية وطنية إلى شأن طائفي شيعي مع تكوين ميليشيات “الحشد الشعبي”.

هذا التدخل المباشر لم يكن حكرا على بغداد، فقد واصلت طهران دعمها للقيادة العلوية في دمشق، مستقدمة ميليشيات “عصائب أهل الحق” و”أبي الفضل عباس” و”حزب الله” لمؤازرة نظام الأسد ضدّ شعبه، ممّا انكشف معه توسع النفوذ الإيراني والحلم الإمبراطوري الفارسي الذي أصبح اليوم يُصاغ في شكل “إمامة شيعية” تقوم على أنقاض كيانات دول ذات سيادة، فيما يسود اقتناع تام لدى أوسع الشرائح العربية اليوم بضرورة التصدي لهذا التوسع الذي كشف عن سعي طهران المحموم إلى استغلال الآثار التي خلفتها موجة ما سمي بـ”الربيع العربي” لتعميق تغلغلها بكافة الأشكال في كلّ من اليمن والعراق وسوريا.

جملة من المخاطر والتهديدات، أضحت تدفع البلدان العربية أكثر من أيّ وقت مضى إلى مراجعة استراتيجية التعامل مع إيران نحو مزيد الحذر، من خلال البحث عن تشكيل معادلة توازن جديدة مع طهران والحدّ من اختلالها الحالي، بشكل مختلف عن السابق، من شأنه أن يكون قادرا على احتواء نتائج الاتفاق المحتمل بين إيران ومجموعة “5+1”. توازن لا يعتمد على المظلة الأميركية لوحدها ولا يلغي الاتفاقيات السابقة المبرمة معها (كما يدعو البعض)، فضلا عن العمل على خيار ممكن ومستقل يقوم على تأسيس محور عربي قوي ومتناسق يتشكّل من بلدان الخليج العربي بالإضافة إلى مصر والأردن والمغرب، مما يسمح بتوسيع العمق الجغرافي والأمني عبر بلدان عربية ليس لها حدود مع إيران لكنها متقاربة مع بلدان الخليج في التصور الاستراتيجي للأمن العربي، بالإضافة إلى استمرار التواجد الخليجي والعربي في البلدان التي تشهد تدخلا إيرانيا، بما يحول دون تفككها وتفتّت صروحها الوطنية.

باحث جامعي

مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6