التحديات الاقتصادية للمجتمعات الخليجية

الاثنين 2015/12/28

الاقتصاد الاجتماعي أو ما يمكن تسميته اقتصاد المعيش الذي يناقش فيه الناس الغلاء ويعادله في أعراف الاقتصاديين التضخم، والضرائب ورفع الدعم ويعادله تراجع الدخل الوطني، هو عملية يومية نعيشها ولا نتحدث عنها في إطارها الاقتصادي، لذلك كل إنسان هو اقتصادي بالفطرة، حتى أن ربة المنزل التي تشتري أغراضها من المجمعات التجارية لمدة أسبوع أو اثنين، إنما تمارس سلوكا اقتصاديا توفر من خلاله مخزونا لمنزلها وقدرا من النقود التي يتم استهلاكها في محلات التجزئة الصغيرة، ولعلنا في دول الخليج لم نكترث في نمط حياتنا لضروريات الاقتصاد المعيشي بما لدينا من وفرة مالية تمنحنا قدرات شرائية مميزة عن غيرنا من المجتمعات العربية الأخرى، ولكن ذلك لا يعفي من إدراك أن الاقتصاد عملية متغيرة وتتطلب الحفاظ على ثوابت في تدبير وتصريف الشؤون الحياتية.

الآن نحن أمام واقع جديد فيه بعض التحديات التي تفرض إجراءات لاقتصاديات دول الخليج التي تعتمد بصورة كبيرة على النفط، ولذلك سلبياته الحقيقية والمؤكدة التي تتطلب وعيا اقتصاديا، وحين ننظر في السلوك الاقتصادي للمجتمعات الغربية فإنها رغم مظاهر الرفاهية إلا أن أفرادها يتدبرون حياتهم بمنهج اقتصادي ملزم، وكل دخولهم تحت السيطرة، وتحتمل أي طوارئ، سواء على مستوى اقتصاديات بلادهم أو اقتصادهم الخاص، وذلك للأسف لا يوجد لدينا، ما يعني في ظل تراجع أسعار النفط وتوقف عجلة التنمية نسبيا لاستيعاب ذلك التراجع، أن نعيد التفكير في سلوكنا الاقتصادي بحيث يصبح أكثر واقعيا في عدة مسارات بخلاف النمط المعيشي، فهناك شباب، على سبيل المثال، لا يعملون في أي مهن رغم أن كسبها شريف وأفضل من البطالة وانتظار وظيفة ربما تتأخر كثيرا حتى يحصلوا عليها، ليعطلوا بذلك بداية حياتهم العملية وتأخر الزواج الذي لا يمكن أن يكون دون توفر دخل ثابت لفتح بيوت.

التحديات التي تفرضها أسعار النفط المتراجعة في إطار الحالة الاجتماعية، تتمثل في رفع الدعم عن الوقود وفرض رسوم أو ضرائب على الخدمات وربما تتخذ إجراءات أخرى لمعادلة الفاقد النفطي بسبب تراجع الأسعار التي كانت في حالة ارتفاعها توفر فوائض للميزانيات العامة تسمح بارتفاع سقف الرفاهية الاجتماعية، وعليه فإن رفع الدعم عن الوقود كما بدأ في عدة دول وتتجه إليه أخرى، يعني تقليص حركة السيارات الكثيرة وارتفاع أسعار قطع الغيار وكافة الخدمات المتعلقة بالسيارات، ورسوم النقل وبالتالي التأثير في أسعار البضائع الاستهلاكية لأن المسألة شبكة معقدة من الخدمات التي ترتبط بأي إجراء اقتصادي يفرض بسبب معطيات خارجية تتعلق بالموارد الرئيسية التي يفترض أن تدعم الخزينة العامة لأي دولة.

إذن التالي لذلك، وبالنظر إلى تحديات ذات صلة تتمثل في الإرهاب وتأثيره في حركة رأس المال والاستثمارات التي تتطلب بيئات مستقرة وآمنة، فإننا سنواجه مرحلة تحتاج إلى إعادة النظر في سلوكنا الاقتصادي، ربما لن تفقد مجتمعات الدول الخليجية رفاهيتها ولكنها ستجد أن الحياة لم تعد سهلة وتتطلب الرفاهية أكثر من انتظارها بالإنتاج وتعديل السلوك في تدبير شؤوننا، والحفاظ على حركة الصرف والإنفاق وترشيدها كما يتم ترشيد المياه والكهرباء، لأن الأسعار العالمية للسلع الاستهلاكية في حالة زيادة قيمتها بالتأكيد تنعكس على المستورد منها، وفي الواقع لدينا حالات إسراف وتبذير مبالغ فيها تتطلب وعيا أكثر لتحقيق التوازن فيها، وحين نصل تلك المرحلة يمكن أن نكتشف الجانب الاقتصادي في الشخصية أسوة بما نناقشه في السياسة فنكون سياسيين، وفي الأمن والإرهاب فنكون أمنيين، وكل ذلك مهم ويؤشر لوعي ومعرفة يجب أن يكونا حاضرين، ونحن الآن نطرق أبواب الاقتصاد لنعرف كيف تسير الأمور حتى نحافظ على نمط حياتنا.

كاتبة سعودية

8