التحديات تستمر بأدوار جديدة

"عدم الاستقرار سيستمر في الشرق الأوسط، وسيلقي بظلاله على بقية العالم"، تصدّرت هذه الملاحظة القراءات التي قدّمها الباحثون والدبلوماسيون والخبراء الأمنيون، للأحداث المنتظرة سنة 2016؛ مشيرين إلى أنه من المتوقّع أن تكون السنة القادمة امتدادا لهذه السنة، وسيبقى فيها الشرق الأوسط متصدّرا للاهتمام ومصدّرا للأزمات؛ فحتى أبرز الأحداث الأمنية والسياسية التي شهدتها الدول الغربية لم، ولن، تخرج عن نطاق تفاعلات ما يجري في المنطقة العربية، بدءا من التهديدات الإرهابية، مرورا بأزمة اللاجئين وملف المهاجرين والانتخابات الأميركية.
الخميس 2015/12/31
انتصار عراقي كان من المستحيلات

القاهرة- رغم التعقيدات المتعددة التي حملها العام الذي شارف على الانتهاء لملفات الأزمات العربية في كل من سوريا واليمن وليبيا والعراق، فإن نهاية 2015 شهدت انفراجا نظريا، عبر عدد من الخطوات على طريق التسوية السياسية لتلك الأزمات.

ويتوقّع خبراء ومتابعون، تحدّثت إليهم “العرب”، أن يشهد العام 2016 ملامح حسم، في بعض الملفات العربية، على خلفية تقارب وجهات النظر بين بعض القوى الكبرى، بحيث يمكن إعادة توزيع الأدوار بالمنطقة بما يضمن لكل قوة الحفاظ على مصالحها، مع إحداث التوازن المطلوب في ميزان الحسابات الدولية.

لكن الرؤية التي تحمل قدرا من التفاؤل تجاه إيجاد حل للأزمة السورية، لا تشمل الوضع في ليبيا حيث يتوقّع الخبراء أن يشهد العام الجديد مزيدا من التناحر بين كل الأطراف المتصارعة في ليبيا، وسط توقعات ألا ترى حكومة فايز السرّاج النور. أما بالنسبة لليمن فقراءة المستقبل القريب تشي بصورة أكثر قتامة عبر توقعات بعدم استبعاد شبح التقسيم، في ظل تنامي العوامل القبلية وتراجع فكرة الدولة المركزية، أو في أحسن الأحوال اعتماد النظام الفيدرالي الذي سيخلق مساحة زمنية ومكانية تسمح بتنامي دور التنظيمات المتشدّدة والإرهابية.

وألمح الخبراء إلى حدوث شبه توافق “روسي – أميركي” على ترك الملف السوري لموسكو مقابل أن تغضّ الأخيرة الطرف عن الملف العراقي لصالح واشنطن مع تحديد هامش لأدوار القوى الإقليمية، مثل إيران وتركيا والسعودية وحزب الله وباقي العناصر ذات العلاقة بالملف السوري والليبي واليمني.

محمد سعيد إدريس، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أكد لـ“العرب” أن فكرة التقارب الروسي الأميركي والتفاهم حول إعادة ترتيب الأمور بالمنطقة العربية وتوزيع الأدوار، منطقية بشكل يحدد دور كل دولة في المنطقة العربية، والتنسيق في ما بينهما بشأن أزمات المنطقة.

صراع في المجالين البحري والإلكتروني

يتوقع بيتر سنغر، الباحث في مؤسسة نيو أمريكا، أن يشهد العام المقبل احتدام الصراع بين المجالين البحري والسيبراني، قائلا، في هذا السياق:

في عام 2014، رأينا استخدام “الرجل الأخضر الصغير” من جانب روسيا لتقويض سيادة أحد جيرانها، ولكن من دون عمل عسكري علني رسمي.

وفي عام 2015، رأينا التوسع في المطالبات الصينية على الأراضي المتنازع عليها، وبالتالي، زيادة الرد العسكري من الدول المجاورة والولايات المتحدة، من خلال حرية الملاحة والمناورات الأمنية والاتفاقات الجديدة مع الفلبين وسنغافورة واليابان، وقريبا ماليزيا.

لكن،

في عام 2016، “عام القرد” في البروج الصينية، قد نرى الجمع بين هذين الاتجاهين في المحيط الهادئ.

ولم تذهب المطالبات البحرية للصين بعيدا، ولكن لا يجوز تمسكها أكثر بشركتها “ليتل بلو مان”.

وتوفر كل من الميليشيات البحرية وحرس السواحل، وحتى الصيادين وسيلة للحفاظ على وجودهم، وهو ما يضع عبء التصعيد على الجانب الآخر.

ويتم هذا بشكل مواز للاتفاقات حول الفضاء السيبراني، حيث يحظر الاتفاق الجديد بين الولايات المتحدة والصين السرقات المرتبطة بالحكومات والملكية الفكرية.

ويتوقع أن يكون عام 2016 عام اللعب على القضايا المتعلقة بالهجمات الإلكترونية التي ترعاها الدولة.

وتوقع إدريس أن يتواصل وجود بشار الأسد على رأس النظام في سوريا على خلفية التفاهمات غير المباشرة التي أفضت إلى فتح طاقة أمل للتسوية السياسية، وجدول الأعمال السياسي الذي أقرته الأمم المتحدة مؤخرا. وقال إن العمل يمضي الآن في اتجاه دولة مدنية في سوريا تشمل جميع المكونات والأطياف السياسية.

ونوه إلى وجود عدة إشارات على حدوث تقارب روسي – إسرائيلي، منها الغارة الجوية التي نفذتها إسرائيل بالقرب من الجولان وأدت لمقتل القيادي في حزب الله سمير القنطار، وتكرار اختراق طائرات روسية للأجواء الإسرائيلية بين الحين والآخر دون اعتراض إسرائيل، موضحا أن التقارب سيكون له تأثيره على الملف السوري. ويرى إدريس أن العام 2016 سيشهد هجرة التنظيمات الجهادية المسلحة لسوريا بعد أن يستقر الحال نسبيا هناك، ومن ثم تضييق المساحات أمامها، متوقعا أن تتجه إلى ليبيا.

وأبدى عزت سعد، سفير مصر السابق في موسكو، تفاؤله بشأن الملف السوري في عام 2016، لكنه لم يستبعد حدوث مفاجآت بسبب تشعّب المصالح وتعقّدها وكثرة اللاعبين، وعاد ليؤكّد على أن أهمية التحركات الدولية الأخيرة وقرار مجلس الأمن الملزم لجميع الأطراف بداية مقبولة للحل السياسي.

توقعات متشائمة

شهدت ليبيا في أواخر 2015 مجموعة من التحركات الدبلوماسية برعاية أممية بهدف التوصل إلى حل سياسي ترضى عنه جميع الأطراف بداية من اتفاق الصخيرات بالمغرب، مرورا باللقاءات المباشرة بين أطراف الأزمة في العديد من الدول كان آخرها تونس وإعلان اتفاق مبادئ أغضب معظم الأطراف الرئيسية للأزمة، ثم العدول عنه والتأكيد على خارطة الطريق التي وضعها الاتفاق والإعلان عن حكومة توافقية، رغم تشكيك بعض المراقبين في قدرتها على استيعاب كل وجهات النظر لتحقيق الرضا التام للشعب الليبي.

وأكد خبراء في الشأن الليبي لـ”العرب” أن عام 2016 سيشهد المزيد من التناحر بين كل الأطراف المتصارعة في ليبيا، وسط توقعات بعدم التفاؤل كثيرا بالدور الذي يمكن أن تلعبه حكومة فايز السراج في ليبيا، والتي تحاول الأمم المتحدة توفير وسائل الدعم اللازم لها، وتواجه اتهامات بأن هذه الحكومة قد لا تتمكن من دخول طرابلس كما هو مخطط، وأمامها شوط طويل للقضاء على التنظيمات المتشددة.

وأكد متابعون أن هناك تحرّكات سرية في مجلس الأمن لتكون ليبيا جزءا من خارطة التفاهمات الدولية، خاصة أن الأزمة اليمنية تقدّم مدخلا للحل في ليبيا، بسبب أهمية اليمن بالنسبة للسعودية التي تراها المصادر لاعبا أيضا في ليبيا، لكن بصورة غير مباشرة.

ويتمثل المدخل في الوصول لتفاهم مع الرياض بشأن تسوية معقولة باليمن مقابل أن تبدي السعودية مرونة في اتجاه معين بالنسبة للأزمة الليبية، وهو ما يفسر غياب الرياض عن التطورات الأخيرة للملف الليبي.

وتوقع خبراء أن يشهد العام الجديد تقاربا أكثر بين فرنسا وروسيا ومصر بشأن الملف الليبي، لأن باريس تعتبر ليبيا بوابة حيوية لمصالحها في أفريقيا، كما أن القاهرة تعتبر الأزمة الليبية جزءا من مكافحة الإرهاب واحتواء خطر التنظيمات المسلحة القريبة جدا من الحدود معها، بينما تنظر موسكو إلى ليبيا في إطار الصراع مع واشنطن على مساحة ودور أكبر في المنطقة.

عبدالستار حتيتة، المتخصص في الشأن الليبي، قال لـ”العرب” إن الأزمة الليبية ستسير على الحافة حتى نهاية يناير المقبل، وبعدها إما يحدث التوافق بين جميع الأطراف، وحينها ستحرز الدولة الليبية الجديدة تقدما على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، أو تنحدر نحو النموذج الصومالي في أسوأ صوره في حالة استمرار الاختلاف والتناحر وقد يستمر ذلك لسنوات طويلة.

الأزمة الليبية ستسير على الحافة حتى نهاية يناير المقبل وبعدها إما يحدث التوافق أو تنحدر البلاد نحو النموذج الصومالي

وتوقع أن يشهد العام الجديد خلافات كبيرة بين الفصائل الليبية نفسها بسبب اختلاف الرؤى الاستراتيجية للدول الداعمة لكل طرف، مشيرا إلى بوادر اختلاف في المحور “القطري- التركي” بشأن حكومة فايز السراج التي أعلنتها الأمم المتحدة، حيث تبدي “الجماعة الليبية المقاتلة” التي تدعمها قطر موقفا متشددا من الحكومة وترفضها بالمطلق. بينما تبدي جماعة الإخوان المسلمين المدعومة بقوة من تركيا مرونة في التعامل مع الحكومة نفسها، وتوقع أن تشهد الأيام القادمة بلورة أكثر وضوحا لهذا الخلاف.

في المقابل، اتسمت رؤية السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق للأزمة الليبية بتفاؤل أكبر، حيث قال إن قرار مجلس الأمن الأخير الداعم لاتفاق الصخيرات يعتبر مقدمة لمواجهة شاملة مع الجماعات المسلحة بحيث يكون عنوان العام الجديد المواجهة مع الميليشيات المسلحة في ليبيا، مؤكدا أن الشهور الـ6 الأولى من العام الجديد ستشهد مواجهات بين كل الأطراف في محاولة لفرض حكومة الوفاق وتنفيذ قرار مجلس الأمن.

ورأى هريدي، في تصريحات لـ”العرب”، أن كل الأطراف المتصارعة في ليبيا ستضطر في النهاية للاستجابة للضغوط الدولية وتنفيذ التوصيات الأممية انطلاقا من قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، مستبعدا طرح سيناريو التقسيم في ليبيا علي المدى القريب وربطه بما يحدث في العالم من تغيرات دولية. وأشار إلى أن 2016 سيشهد رفعا للحظر المفروض على الجيش الليبي فور تمكين حكومة السراج من ترتيب أوراقها، وربما رفع العقوبات الاقتصادية أيضا عن ليبيا وسيكون ذلك من خلال استغلال عضوية مصر في مجلس الأمن.

تفاهم سعودي إيراني

تداخل الأزمات بالمنطقة وتشابكها يجعلان من الصعب النظر إلى كل أزمة على انفراد، فالأزمة الليبية ترتبط بالملف السوري، كما أن الأزمة اليمنية ترتبط بشكل وثيق بما يحدث في ليبيا وسوريا، والسعودية مشغولة بالوضع في اليمن ومواجهة إيران في الخليج.

وتعتبر طهران أحد أهم أطراف الأزمة السورية ولا يمكن تجاهلها عند الحديث عن حل سياسي في سوريا، والمجتمع الدولي يتعامل مع المنطقة العربية بمنطق توزيع الأدوار، وهو ما يفسّر نشاط بعض الدول العربية الكبرى في ملفات وغيابها عن أخرى، الأمر الذي ظهر بوضوح في الأزمة اليمنية المتوقع أن تشهد في 2016 تطورا ملحوظا في مساراتها التفاوضية التي تتباها الأمم المتحدة.

محمد مجاهد زيات، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، قال لـ”العرب”، إنه من الصعب التنبؤ بحسم الملف اليمني خلال العام الجديد، رغم مفاوضات جنيف ومحاولات المجتمع الدولي التوصل لحلول تعطي نوعا من التوازن في المنطقة، بسبب أن كل الأطراف المتداخلة في الأزمة لا ترغب في حلول وسط.

وأشار إلى أن الدور الإيراني هناك لا يزال يدعم موقف الحوثيين، كما أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح مستمر في التحالف مع الحوثيين تحت غطاء الزيدية، ولم تُبذل جهود معقولة لفصل هذا التحالف الذي إذا تم تعطيله سيغيّر مجرى الأحداث في اليمن.

كل الأطراف المتصارعة في ليبيا ستضطر في النهاية للاستجابة للضغوط الدولية وتنفيذ التوصيات الأممية انطلاقا من قاعدة “لا غالب ولا مغلوب

وتوقع الزيات أن يشهد العام 2016 بروزا أكبر للعامل القبلي، ما يؤثر بشكل أو بآخر على شكل الدولة المركزية، مشيرا إلى تنامي دور الحراك الجنوبي ومطالبه بالانفصال وعدم الركون أو الاعتماد على الأقاليم الفيدرالية التي أصبحت لا تلبي طموحاته، مرجّحا تنامي دور القاعدة وتنظيم داعش في اليمن خلال العام الجديد.

ولم يستبعد حدوث تفاهمات في 2016 بشأن الأزمة اليمنية بين السعودية وإيران، خاصة في ظل عودة السفير السعودي لطهران، وتغير موقف إيران نسبيا من التحالف الإسلامي، معتبرا أن كل هذه إرهاصات لقواعد جديدة في العلاقات الإقليمية.

لكن هناك من يرى أن التفاهم الظاهر لا يعكس حقيقة الرؤى المركزية في الصراع، فقد أشارت ميساء شجاع الباحثة اليمنية إلى أن محفّزات الصراع الداخلية للحوثيين، أكبر من الدعم الإيراني، وموقف طهران منهم.

وأكدت أن الحوثيين يعتمدون على قوة ونفوذ الرئيس السابق علي عبدالله صالح أكثر من اعتمادهم على الدعم الإيراني الذي استطاعت السعودية تحجيمه من خلال السيطرة على المنافذ البحرية والبرية.

وألمحت شجاع إلى أن القوى الدولية أكثر ميلا للرؤية السعودية بشأن اليمن، بدليل أنه لا يوجد تحالف واضح بين إيران وروسيا مثلا في اليمن، كما هو موجود في سوريا، مؤكدة أن موسكو لم تستخدم حق الفيتو بشأن اليمن، كما حدث في سوريا، وكلها إشارات تدل على تبني موقف الرياض من الأزمة اليمنية.

اقرأ أيضا:
6