التحديث الاصطلاحي

الخميس 2017/05/18

مشكلة النقد في العراق كبيرة في العقود الأخيرة من الحياة الثقافية بشكل عام، فبعد رحيل أساتذة النقد الكبار وخفوت الأصوات الأخرى المجايلة لهم وهجرة الكثيرين من العقول النقدية الراقية ، بقيت ساحة النقد تعاني من التواصل الفعلي أمام مد الكتابة الذي شهدته الثقافة العراقية في عقدٍ ونصف العقد، لكننا لا نعدم وجود أصوات نقدية بدأت تأخذ مساحاتها الجدية في الحلقة النقدية إلى حد جيد.

محمد يونس من جيل وسطي لم يكن يستطيع المتابعة النقدية الجادة إلا بعد تغير الظروف السياسية القديمة التي كانت هي العائق الأكبر أمام المبدعين، وبغض النظر عن الآلية السياسية الجديدة وقلة حيلتها والمناخ العام الذي فرضته اجتماعياً تمكنت الثقافة العراقية من أن تستجيب لمتغيرات العصر الداخلي والخارجي إلى حد يُعد مقبولاً حتى الآن. لكن النقد الأدبي بقي يعاني من عقدة المتابعة أمام سيل سردي وشعري كبير تحت مناخات الحرية المتاحة وما فرضته وسائل الاتصالات الجديدة من حقائق مباشرة في الاتصال مع القارئ بعيداً عن أبوة النقد التي كانت طاغية.

محمد يونس يجتهد نقدياً في محاولاته الرصينة لمتابعة النتاجات السردية بشكل خاص، ويتابع بنشاط معظم الإصدارات الحديثة لا بطريقة العروض الصحافية الدارجة والمألوفة بل بالبحث والحفر وتطوير المصطلحات النقدية جمالياً واجتراحها بما يتناسب والقيمة الجمالية للأثر السردي العراقي وحتى العربي الذي يتابعه بدأب.

وبهذا الصدد أصدر عدداً من الكتب ذات الأثر النقدي الذي لا يستهان به؛ “الفطرة الروائية” و”الشخصية الاعتبارية” و”الروح النثرية” و”البنية الشعرية” و”الاكتساب والبث”، وآخرها كتابه “التحديث الاصطلاحي- دراسة الأنساق الوظائفية المستحدثة في بنية الرواية”، وهو كتاب تنظيري خالص يتقصى المعنى الأدبي للرواية وسياقات كتابة الرواية الجديدة في التأهيل والفعل والإعلان وهي ثلاثة مفتتحات تسبق قراءة الرواية من حيث أنها متعة فنية وجمالية شغلت النقد طويلاً، مثلما هي فن يتطور زمنياً ويستحدث أشكاله التي تتلاءم مع عصورها المتقادمة.

وكانت مهمة الناقد يونس في هذا التنظير تبرز على نحو ما في جدوى التحديث الاصطلاحي المتراكم زمنياً ويبرره بأنه تمكن من أن يتجاوز الحبكة التقليدية إلى الفنية-الفنية التي تستوعب نصا تراكبياً من طبقات نصية. لهذا فالمصطلح النقدي لا يمكن أن يكون ثابتاً مادام الأثر السردي غير قار بل يتطور ويبتكر شكله معه، ويعني بشكل آخر أن الناقد طرح مستوىً نظرياً يعكس فكراً ومعرفة ويقترح نقض التفكير الأفقي بالنص وذلك بمحاكاة الخطاب المتمثل بالعمل الروائي والاهتمام بمنظومة كيانية النص ليس على وفق أنها مادة مكتوبة بل إنها تشكل كياناً مقابلاً لكاتبه للحدود التي تتيحها عاطفة النص، وهي بتوصيف نقدي العاطفة التي تكون أنقى من عاطفة الكاتب وجرأته التي هي خارج حدود المرجعيات الكبرى في النقد، اقتراباً إلى طبقات النص وتفكيكها على ضوء التحديثات الجمالية الممكنة للنص النقدي الذي وضعها كبار النقاد الجماليين في حفرياتهم المعرفية لشؤون الكتابة السردية.

وبالتالي سنجد في هذا الكتاب ما يشبه القاموس النقدي الجديد المستحدث بفقراته القصيرة التعريفية بعموميتها وهي تستقصي المصطلح وتثبّت إمكانيات تطويره إلى فهمٍ جديد وفق اشتغالات النص السردي في استيعاب الأجناس الأخرى على سبيل المثال ومعاينة النص في جوّانياته وخارجياته وتعريف الخيال الخلاق الأساسي والثانوي في إنتاج النص وصولاً إلى الكثير من المفاهيم النقدية بتنظيرات جديدة نظن أن الناقد يونس قادر على تذويبها في نظرية جمالية تستوعب هذا الكم الكبير من التعريفات التي نعتقدها غير مثيرة بآلياتها الجامدة ما لم تُفعّل تطبيقياً ولا تبقى بحدودها التعريفية التي تهم النقد ولا تهم السرد.

لكن هذا لا يعدم جهود الناقد التنظيرية في توثيق المصطلح وإخراجه من قوالبه القديمة ليكون عنصراً فاعلاً في العملية الإبداعية.

كاتب عراقي

14