التحديق في الشاشات الثلاث "الموبايل والكمبيوتر والتلفزيون"

الأربعاء 2015/03/11

قبل أيام زارتنا صديقة ومعها ابنها الذي سينهي بعد أشهر قليلة دراسته الثانوية ويتهيأ لدخول الجامعة.

وكان الهدف من الزيارة أن نناقش مع الفتى ماذا سيختار للدراسة الجامعية، وأين سيكمل دراسته، وما هي الخيارات الدراسية التي تناسب التطور العلمي الذي نشهده الآن مع انفجار وسائل الاتصال والإعلام والكمبيوتر.

وطلبنا من الشاب أن يقول لنا ما هي رغباته، وعندما صمت طويلا قدمت لنا الأم موجزا عما تعتقد أن ابنها ينوي دراسته ويرغب فيه، ودخلنا في حوار ونقاشات حول الدراسة المناسبة له لضمان مستقبله العملي وما هي الاختصاصات التي سيكون عليها الطلب أكبر والتي يمكن أن تكون أيضا مناسبة لميوله، ولم يشارك الفتى بأي كلمة وكان بين حين وآخر يرفع رأسه عن شاشة الهاتف بيده وينظر إلينا ببراءة.

وبعد أن انتهت دورة النقاشات وتبادل الآراء، سألنا الفتى عن رأيه فيما قلناه وطرحناه من أفكار، وكانت المفاجأة أنه لم ينتبه إلى شيء مما قلناه، وليس له رأي، والسبب أنه كان طوال الوقت يحدق بهاتفه، يقرأ رسائل أو يبعث برسائل ..أو يتفرج على صور ورسوم.

التفت إلينا والدته وقامت بحركة بيديها وكأنها تعتذر عنه قائلة إنه دائما هكذا: يحدق في الهاتف أو بالكمبيوتر ولا يشاركنا في جلساتنا إن كنا وحدنا أو مع ضيوف.

هذا الفتى ليس حالة استثنائية أو خاصة، بل هو نموذج لملايين الناس المصابين بداء التحديق في الهاتف والانشغال به عن أي مشاركة اجتماعية أو نشاط فكري، لقد أصبح الكثيرون وخاصة الشباب وصغار السن من الجنسين، منهمكين بالتحديق في الهاتف والانشغال به، يتحدثون من خلاله مع غيرهم بالرسائل وتبادل الصور والنكات والطرائف عبر الوتسآب والفايبر.

وقد أدى التحديق في الهاتف أو الكمبيوتر والانحناء على لوحة المفاتيح إلى ظهور مرض جديد هو ألم وتشنج بالرقبة وبالكتفين، سماه العلماء تشنج انحناء الرقبة أثناء التحديق في الهاتف أو الكمبيوتر.

ولقد لاحظت أن هذا الانشغال المرضي بالهاتف المحمول بين الشباب العرب من الجنسين أكبر مما نلاحظه عند الشباب في المجتمعات الغربية.

أي مستقبل للشباب إذا أصبحوا مدمنين على الهاتف المحمول، علاقاتهم مع الغير من خلاله، يشلهم عن أي نشاط أو مشاركة في اللقاءات العائلية والاجتماعية، وهو مصدر معلوماتهم ومعارفهم. وقد نشأوا وهم لا يعرفون غيره من مصادر المعرفة والثقافة والتواصل بين الناس.

وهذه الظاهرة هي جزء من الظاهرة العامة في هذا العصر، وهي أن الناس يعيشون بين الشاشات الثلاث الهاتف والكمبيوتر والتلفزيون، هي مصدر تسليتهم، وانشغلاتهم، وهي مصدر معلوماتهم ومعارفهم، وهي شغلهم الشاغل، ولا يمكنهم أن يتصوروا حياتهم دونها.

بالأمس تعطل الاستقبال التلفزيوني عند جارنا، قلت له “هذه فرصة لتقرأ كتابا أو تخرج لمشوار أو تريح عينيك”، ضحك مني وفعل المستحيل كي يصلح الخلل ويعود البث التلفزيوني إلى جهازه.

إننا نعيش عصر التحديق، دائما نحدق في شاشة أمامنا: شاشة الهاتف الصغيرة المتعبة للعينين، والتي كل لحظة معها تكلفنا مالا يخصم من رصيدنا، وشاشة الكمبيوتر التي نلتصق بها ونحني رأسنا على لوحة المفاتيح نبحث عن الحروف، وشاشة التلفزيون نمسك طوال الوقت بجهاز التحكم نقلب المحطات، لا ندري أحيانا على أيها نستقر، فإن كثرة الخيارات محيرة ومتعبة، وتضيع ذاكرتنا بين ما شاهدناه وما لم نشاهده، ونشاهد بعض الأفلام والبرامج مرتين لأننا ننسى أننا شاهدناها من قبل بسبب وفرة ما يتدفق علينا من مئات الفضائيات التي تبث 24 ساعة يوميا .

لقد قدم تطور التكنولوجيا للإنسانية خدمات عظيمة وسهل حياتنا، وفتح أمامنا آفاقا واسعة للتواصل والاتصال والمعرفة والنشر الإلكتروني، ووفر لنا وسائل سريعة للتراسل وتبادل الأفكار ونشر الصور والوثائق، ولكنه أفسد علينا الكثير من عاداتنا الجميلة التي تهتم بالعلاقات الاجتماعية الإنسانية، وتضع التواصل المباشر بين البشر في مقدمة المشاعر والتفاعل الحميم بين الأفراد.

بل أصبح الانشغال بالتحديق في الشاشات يطغى حتى على المشاعر الحسية بين البشر، كما تجسدها صورة وصلتني عن عروسين في مخدعهما ليلة زفافهما .. وهما مشغولان بالكمبيوتر عن العواطف الإنسانية بينهما!

18