التحرر من العادات الخاطئة نواة لتأسيس مجتمع متحضر

الثلاثاء 2017/07/25
لا تناقض بين الوفاء للعادات والنظر للمستقبل

أن يُحظر على المرأة قيادة السيارة في مجتمع ما، وتتفشى ظاهرة ختان الإناث في مجتمع آخر، ويُفرض ارتداء ملابس بعينها على النساء في مجتمع ثالث، ويستمر منع الاختلاط في مؤسسات تعليمية في مجتمعات عدة، بذريعة التمسك بالعادات والتقاليد المجتمعية والخوف من تبعات التحضر، فإن ذلك لا يتواءم مع التطورات الحضارية الراهنة، ويجعل من الحاجة إلى ربيع عربي لتحرير العقول ضرورة حتمية.

لم يعد من المقبول في عصر التقدم العلمي والفكري أن تُقيّد المجتمعات بعادات تجاوزها الزمن، ولم يعد يصلح محاصرة الأجيال الجديدة بها، ومحاكمة كل من يخرج عنها أو يرفض الالتزام بها، والتعامل معه بطريقة عنصرية والنظر إليه على أنه ارتكب معصية لا تغتفر، لمجرد أنه حرر عقله من القيود التي لا تتناسب مع أفكاره وحياته الشخصية.

تذهب الكثير من الدراسات والأبحاث الاجتماعية إلى أن شجاعة المجتمعات وتقدمها الفكري والعلمي والثقافي والحضاري، يُقاس بمدى قدرتها على التخلي التدريجي عن العادات البالية التي لم تعد مناسبة لأجيال الحاضر والمستقبل، لتجنب وجود صراع محتدم بين الأجيال وما يترتب عليه من انقسام مجتمعي بين أجيال تتمسك بالماضي، وأخرى تسعى لمسايرة عالمها المعاصر.

المجتمعات التي مازالت تقدس الأعراف والتقاليد، تستطيع أن تلفظ الأفعال المنحرفة التي تتنافى مع الآداب والأخلاقيات وتجعل مرتكبيها في عزلة

مشكلة بعض المجتمعات التي تتمسك بالعادات والتقاليد، أنها لا تفرّق بين ثقافة “العيب”، وبين الحاجة إلى الحداثة والتحرر من القيود والإعلاء من شأن الخصوصيات لمواكبة التطورات في شتى مناحي الحياة.

من الصعوبة تصوُر أن إقامة علاقة عاطفية بين شاب وفتاة ما زالت من المحرمات التي تلفظها بعض المجتمعات وتتعامل معها على أنها جريمة أخلاقية، أو أن تعلُم اللغات الأجنبية يعدّ في بعض المدارس تقليدا أعمى للغرب من شأنه هدم المجتمع واستعماره بأفكار وثقافات منحلّة، والنظر إلى دراسة وممارسة الفنون دعوة للتحرر والانحطاط والانحدار الأخلاقي.

يظل التمسك بالعادات والتقاليد أشرس أنواع تكبيل العقول وفرض القيود وانتهاك الخصوصية الإنسانية والوقوف حائل أمام التجديد الفكري، لأنها تحرم الفرد داخل المجتمع من صنع عادات تتماشى مع الحقبة الزمنية التي يعيش فيها ولم تعد تتناسب مع الحياة بظروفها وتغيراتها الحاليّة.

صحيح هناك تقاليد إيجابية لا يمكن التخلي عنها، ومن الواجب الأخلاقي الحفاظ عليها، لكن أن يتحول الأمر من الواجب إلى التقديس، فإن ذلك يضاهي العيش داخل سجن أبدي يفقد فيه السجين كل آمال التحرر دون أن يرتكب جريمة تُذكر.

يبقى التشبث ببعض العادات دون التحرر المطلق منها، مبعثا للجهل، وعدم سقوط أقنعتها مع الوقت يدفع بعض الأجيال للتمرد عليها

أزمة بعض المجتمعات، أنها تخلط بين الحرية المطلقة والتحرر الفكري، ولا تدرك أن العادات والتقاليد وضعت لتخدم الفرد وليس ليتعامل معها كمعتقد ديني يتحتم الإيمان به، كما أن نفس هذه المجتمعات لا تقر بأن هناك عادات تتغير مع الزمن، وإذا لم يحدث ذلك التغير فإنها تصبح عبئاً ضرره أكبر من نفعه.

ويبقى التشبث ببعض العادات دون التحرر المطلق منها، مبعثا للجهل، وعدم سقوط أقنعتها مع الوقت يدفع بعض الأجيال للتمرد عليها واختيار أخرى يعاقبون بها المجتمع.

الأزمة الحقيقية أن هناك أفكارا لا يستفيد منها المجتمع، ولا تعود على الأفراد بفوائد، بل إنها تسلب منهم أحيانا السعادة وتعكر عليهم صفو الحياة، كأن تختن أنثى، وتجبر أخرى على ارتداء ملابس بعينها لتجنب التحرش، أو يُحظر تدريس المناهج الجنسية لتجنب خدش الحياء، أو حتى الالتحاق بالتعليم الأجنبي بدعوى ترسيخه للأفكار المنحرفة، مثل ما فعله والد الطالبة مريم المصرية الشهيرة بـ”بنت البواب” التي تفوقت في المرحلة الثانوية ورفض الأب منحة مجانية من الجامعة الأميركية حتى لا تعتنق ثقافات غربية.

هناك من يحاول أسلمة بعض المعتقدات والأفكار والموروثات القديمة، مثل تحريم خلع النقاب وخروج المرأة من منزلها لغير الضرورة، وتعليم الفتيات بدعوى عدم اختلاطهم بالذكور، وهناك قاعدة اجتماعية تقول إن المرأة هي المتضرر الأكبر من التمسك الأعمى بالتقاليد، بدعوى أن الرجل لا يعيبه شيء، وهي القاعدة التي رسخها شيوخ التيارات الدينية المتشددة وآمنت بها بعض المجتمعات وطبقتها بحذافيرها.

النظر إلى السائد والقائم بقوة العرف والأقدمية على أنه الأفضل في المطلق، لا لشيء سوى أنه عادة موروثة عن الآباء الأولين، إقرار بضعف وعي من هم في الحاضر والمستقبل.

يرى دعاة هدم العادات القديمة، أن التحرر من قيود الموروثات التي تجاوزها الزمن، السبيل الأمثل نحو تأسيس مجتمع حضاري شجاع، مؤسس على الإبداع والابتكار ومحاكاة التطور العصري، وقتها سوف يكونون أحرص على بناء مجتمع سليم وحر وقوي ومحصّن من الانحرافات أكثر من حرص المجتمع نفسه.

12