التحرش الفكري بالمسنين

مسابقة من أجل كبار السن تحديدا، أو بلغة أصح، من أجل “التحرش” بهم فكريا وتحدي قدراتهم المعرفية، وتنشيط ذاكرتهم للأمكنة التي أقاموا وعملوا بها.
الخميس 2018/06/14
تنشيط الذاكرة

شاركت منذ أيام في مسابقة سنوية هولندية للترجمة، كعضو في لجنة تحكيم اللغة العربية. ذهبت إلى حفل تسليم الجوائز الذي أقيم في مبنى الأكاديمية العريق وفي اعتقادي أنني سألتقي شبابا وطلبة ومتدربين من صغار السن ممن تستهويهم المشاركة في المسابقات لامتحان مهاراتهم اللغوية وتحسينها، لكن المفاجأة التي كانت في انتظاري هي أن أغلب المشاركين وعددهم 200، كانوا من كبار السن والمتقاعدين.

اكتشفت من خلال حديثي مع بعضهم أن معظمهم عملوا في فترات سابقة من حياتهم في الدول التي يتكلمون الآن لغاتها ويشاركون بها في المسابقات، إما كدبلوماسيين وملحقين بالسفارات وإما بمنظمات الأمم المتحدة أو المجتمع المدني.

بعضهم أرسل ترجمات لأكثر من لغة، وأخبرتني سيدة عملت في وقت ما من حياتها مع منظمة الأمم المتحدة في تونس، أنها حاولت أن تشارك بترجمة من اللغة العربية، إلا أنها وجدت صعوبة في نقل نص نزار قباني “الشجرة” إلى الهولندية، فاكتفت بالترجمة من الفرنسية والألمانية والإنكليزية والإسبانية!

بدا واضحا أن هؤلاء المتقاعدين والموظفين السابقين يبحثون عن طريقة يحافظون بها على اللغات التي تمكنوا من اكتسابها أثناء توليهم مناصب في دول متفرقة من العالم. وقد بلغ الإصرار ببعضهم إلى استكمال دروس اللغة بعد إحالتهم على التقاعد، كما علمت من سيدة تتلقى دروسا في اللغة الصينية.

والحقيقة أنني شعرت بشيء من الحيرة أمام ما بدا لي أنه نوع من الإسراف المعرفي. فما الذي يجعل شخصا متقاعدا يتلقى دروسا في الصينية، وهو يعلم أنه لن يستعملها إلا في ما ندر، كما أنه لن يكون بوسعه أن يتقنها للدرجة التي تمكنه من قراءة كتاب باللغة الصينية مثلا؟

وقد قادني الفضول فعلا لطرح السؤال على هذه السيدة المسنة التي ذكرتني بسنها مرتين: مرة ونحن ننزل الدرج ومرة ونحن نقف في الصف من أجل الغداء.

قالت إنها تأخذ دروسا في اللغة الصينية لأن حنينا ما يقودها إلى هناك دائما، فالشخص الذي يعمل ويقيم لسنوات عديدة في بلد ما يرتبط به وبثقافته إلى الأبد، لكن السبب الأهم، حسب رأيها، هو أن تعلم لغات جديدة يساعد على تنشيط الذهن وإبقائه في حالة حركة مستمرة تقيه من أمراض الشيخوخة، كالعته والزهايمر وفقدان الذاكرة، وشبهت تعلم اللغة وممارسة الترجمة بالتريض اليومي.

بعد هذه المحادثة بدأت بعض الأمور تتوضح لي تدريجيا. فالمسابقة المذكورة تتم برعاية مؤسسة ثقافية معروفة تدعى صندوق الأمير كلاوس للثقافة، تأسس في عام 1996 بمنحة للثقافة والأدب من الأمير كلاوس، زوج الملكة بياتريس، ملكة هولندا السابقة عندما كان عمره سبعين عاما، كما وتتم أيضا برعاية من واحدة من كبريات الصحف الهولندية التي يقرأها كبار السن على الأغلب، وهي التي نشرت نص الإعلان عن المسابقة والنصوص المشاركة.

فهمت أن المسابقة موجودة، في شقها الأوفر، من أجل كبار السن تحديدا، أو بلغة أصح، من أجل “التحرش” بهم فكريا وتحدي قدراتهم المعرفية، وتنشيط ذاكرتهم للأمكنة التي أقاموا وعملوا بها. وأذهلني، للحق، أن تتكاتف منظمات وصناديق وجمعيات وصحف، من أجل هدف كهذا، وأن يتم تنسيق الجهود بمثل هذه الدقة والتنظيم والترتيب العجيبين، حتى يصاب الهدف بدقة، ويستجيب له هذا الكم الهائل من الفئة المستهدفة.

21
مقالات ذات صلة