التحرش يؤذي السعوديات الملتحفات بعباءاتهن

ظاهرة التحرش في المجتمعات التي تسمح باختلاط الجنسين في الأماكن العامة والشارع تقل عما هو عليه الحال في المجتمعات التي تمنع أن يلتقي الشباب بالفتيات في الشارع ومراكز التسوّق والمدارس؛ ففي السعودية -وحسب الإحصائيات- تفوق نسبةُ التحرش بالنساء النسبةَ المسجلةَ في الدول الأوروبية.
السبت 2016/10/22
الشارع من حق المرأة كما الرجل

الرياض – رجل يضايق سيدة فتلتفت لتصفعه صفعتين، وبعد أن صُفع المتحرش تعرض للضرب أيضا من رجل آخر فهرب… هذا ما ظهر في فيديو نشر في المنتصف الأول من الشهر الجاري، إذ تظهر سيدة تدافع عن نفسها بقوة بعد أن تعرضت لتحرش جنسي. ويعني هذا الفيديو أن التحرش آفة تعاني منها المرأة في الشارع السعودي رغم جرأة بعضهن على مواجهة هذه الظاهرة التي لا تشعرهن بالأمان خارج البيت. وما زال مشروع القانون لعام 2014 الرامي إلى معاقبة المتحرشين قابعا في الرفوف، ولم يدخل بعد حيز التطبيق.

وتعرف الدراسات التحرش الجنسي بأنه “كل عمل أو سلوك أو نشاط أو قول أو فعل واعٍ ومقصود يتم بأساليب سماعية، بصرية، رمزية، أو جسدية بهدف الإثارة الجنسية”.

وقد أظهرت دراسة أن نسبة التحرش في السعودية أعلى بكثير مما هو عليه الحال في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وأسبانيا وبقية الدول الأوروبية، مؤكدة أن هذه الظاهرة بدأت تستفحل في المجتمع السعودي، وتعدت ما يعرف بـ”المعاكسات” إلى العنف الجسدي في الأماكن العامة.

وينسب البعض عوامل التحرش إلى مسؤولية الفتاة وحدها بسبب خروجها عن الضوابط الشرعية في اللباس والزينة، بالإضافة إلى عوامل أخرى كتردي العلاقات الأسرية والتفكك الأسري اللذين أديا بدورهما إلى انحراف سلوك الفتاة.

ولكن دوافع التحرش لا تقع على عاتق الفتاة وحدها، خاصة أنها ترتدي زيّا محتشما عادة ما يكون أسود وتغطي وجهها وربما يديها في الكثير من الأحيان، ومع ذلك يتم التحرش بالفتيات وهن بمثل هذه الملابس المحتشمة، مما ينفي فكرة أن هناك نوعية من الملابس التي ترتديها المرأة هي التي تغوي الرجل وتدفعه إلى التحرش بها، ويُظهر أن المشكلة تكمن فعلا في نظرة المجتمع السعودي للمرأة.

ويرى خبراء في علم النفس أن عدم الاختلاط بين المرأة والرجل جاء بنتيجة عكسية باعتبارها تغرس في نفوس الذكور الفضول وتجعل تصرفاتهم في الكثير من الأحيان متسمة بالخشونة والغلظة في التعامل مع الجنس الناعم وهو ما يدفعهم إلى الإقدام على التحرش.

نسخة سعودية من موقع "هولاباك" توفر خدمات على الهواتف الذكية وخرائط إلكترونية لنقل معاناة المتضررات والحد من الظاهرة المسيئة للمرأة

ويقول الأخصائي الاجتماعي مفلح الشمراني إنّ من الأسباب الرئيسية نقص التوعية الاجتماعية وعدم تربية الأهالي لأبنائهم تربية سليمة وعدم مراقبة أفعالهم حتى لا يصلوا إلى تلك المراحل لفظيًّا أو جسديّاً. وأشار إلى أن رفض الضحية الإبلاغ عن جرائم التحرش بداعي الخوف من الفضيحة، يحرّض الشباب على القيام بالفعل المنحرف بهدف إثبات الفحولة وزيادة الثقة بالنفس.

وأشارت دراسة ميدانية أجرتها شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة رويترز إلى أن السعودية احتلت المركز الثالث بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل.

وتهدد هذه الظاهرة النساء العاملات في السعودية، لما لها من انعكاسات مهنية سلبية قد تصل إلى حد فقدان الوظيفة أو الحرمان من الترقية، وانخفاض الأداء الأكاديمي أو العملي بسبب ردود الفعل النفسية التي قد تتعرض لها المرأة، وقد تنسحب من عملها، وتقع فريسة مرض الاكتئاب الذي يؤثر على عيش حياتها بشكل طبيعي.

وتقول ريم -موظفة بالقطاع الخاص- “من واقع عملي الذي يفرض علي الاتصال الهاتفي المستمر بموظفي الأقسام الرجالية، اقتنعت بأن الرجال، مهما بلغت درجة رصانتهم، يتحينون الفرصة لربط علاقة وظيفية مع الزميلات ويوحون لهن بإمكانية توطيد العلاقة، لكن تصرف الموظفات حينها لا يتعدى اللطافة العادية لعدم إحراجهم”.

وتضيف ريم “أحيانا تعمد بعض الزميلات إلى ردّ الفعل بأسلوب “شرس” لكي لا يتجاوز أي موظف متطفل الخطوط الحمراء”.

وتحكي خلود عن تجربتها في العمل بالقطاع الخاص قائلة، “مع بداية استلامي للوظيفة، اجتمعنا نحن بالقسم النسائي مع المدير العام الذي كان يعطي صورة للمدير الصارم الرصين الذي لا يرغب في أن تنطبق عليه أي من التصورات النسائية عن كيفية تواصل المسؤولين مع الموظفات، ولكن ما أحدث المفاجأة هو افتتاحه الحديث بقوله إنه ليس ككل الرجال الموظفين الذين لا يهمهم إلا معرفة من هي أجمل موظفة من بين الزميلات، ومن تلك الجملة جزمت بأن هذا المدير الصامت ليس بأفضل من موظفيه، مما عنى لي سقوط آخر الموظفين المحترمين”.

وتقول ندى “حاول أحد الزملاء التواصل معي بناء على أوهام خاطئة، معتقدا أن لطافتي الطبيعية التي أبديها لزملائي من الرجال أبديها له وحده، فحاول التقرب مني بشكل فظ، وحين تبين أن محاولاته غير مجدية، عمد إلى تلويث سمعتي بين الزملاء والزميلات بادعاء وجود علاقة بيني وبينه”.

الكلام البذيء لا يعجب الفتيات

بتطور وسائل التواصل الاجتماعي تطورت أساليب التحرش في السعودية، فقديما كان الشبان يتحرشون بالفتيات باعتماد “الترقيم”، ويعني الترقيم اقتراب شاب من فتاة ليقدم إليها ورقة عليها رقم هاتفه، حتى لا يلمحهما رجال هيئة الأمر بالمعروف.

تقول المدونة السعودية تماضر اليامي “أتعرض بشكل يومي للتحرش عبر الإنترنت، خصوصا في تويتر. كلما نشرت تغريدة معينة رافقتها عملية تحرش واعتداء وتطاول على عرضي وشخصي، من طرف أحد المغردين السعوديين. هذه هي ضريبة خروج المرأة السعودية عن العرف والتقاليد، بأن تكشف وجهها، أو أن تتحرّر قليلا في حجابها”.

وتضيف اليامي “في البداية لم أكن أكترث للأمر، لأنني كنت أدرك مسبقا أن الشبان السعوديين لن يتركوني في أمان، كوني بدأت أعبر عن رأيي بصراحة، وأنتقد الواقع الاجتماعي الذي لا يمت إلى الدين (بصفة عامة) وإلى الإسلام (بصفة خاصة) بصلة، بقدر ما هو ثقافة متوارثة عن العرف والتقاليد. ولأن هؤلاء لم يعتادوا تعبير المرأة السعودية عن رأيها، ومزاحمتها الرجال في كلماتهم.

بدأت أتلقى رسائل وردود أفعال قاسية وعنيفة، كنت أرد على أصحابها بحظرهم والضغط على زر ‘البلوك’. آخر هذه التهديدات كان لمّا قدت سيارتي، إذ هددني أحدهم بالقتل عبر رسالة أرسلها لي على تويتر، ما دفعني إلى إبلاغ الشرطة”.

قوانين قابعة في الرف

تكمن المشكلة التي تقف وراء تفشي ظاهرة التحرش الجنسي في شوارع المدن السعودية، في عدم وجود قانون واضح في المملكة لمعاقبة الرجال المذنبين في حالات التحرش. ما العقاب المستوجب إذا رمى رجل رقم هاتفه إلى فتاة؟ إذا لمسها؟ هل من الضروري وجود شاهد؟ هل يُسجن إذا توفر دليل تورط الرجل؟

تقول هالة الدوسري -باحثة متخصصة وناشطة من أجل تحسين وضع المرأة في المملكة العربية السعودية- إنه قد تمت بالفعل صياغة قانون يهدف إلى معاقبة المتحرشين جنسيّا، لكنه لم يعتمد بعد.

وفي عام 2014، صاغ مجلس الشورى السعودي مشروع قانون ضد التحرش الذي تتعرض له المرأة، تضمن مكافحة التحرش من الجنسين، ومعاقبة كل من ارتكب فعلا يشكل جريمة تحرش بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات، وبغرامة لا تزيد على خمس مئة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وأشار مشروع القانون إلى أن تلك العقوبات تطبق في حق كل من يرتكب سلوكا ذا مدلول جنسي يصدر من شخص تجاه آخر، مبينا أن للمحكمة المختصة إصدار عقوبة بديلة عن العقوبات السالبة للحرية.

واعتبر القانون المقترح أن التحرش جريمة، تتضمن كل ما يمس عرض الشخص أو جسده أو يخدش حياءه في أي مكان وبأي وسيلة سواء أكان المتحرش به منفردا أم مع جماعة.

وأكد أن الهدف من ذلك النظام حماية خصوصية الإنسان وكرامته وحريته الشخصية، التي كفلتها الشريعة الإسلامية، وذلك بمنع جميع أشكال التحرش ومعاقبة مرتكبيه وحماية ضحاياه. واعتبر نص مشروع القانون أن النظام المقترح لا يعفي المتحرش من المسؤولية حتى وإن قابله تنازل أو موافقة لاحقة من المتحرش به.

كما ينص على أن كل من اطلع على واقعة تحرش مطالب بالإبلاغ عنها فوراً، مع ضمان عدم الإفصاح عن هويته إلا بموافقته، أو في حال تطلب الأمر التحقيق في الواقعة قضائيا.

تمت بالفعل صياغة قانون يهدف إلى معاقبة المتحرشين لكنه لم يعتمد بعد

وحسب هالة الدوسري فإن وجود قانون أمر جوهري خصوصا أن النساء اللاتي يتعرضن للتحرش غالبا ما يقعن ضحية مرتين، هذا الموضوع حساس جدا في السعودية التي ما زال الكثير من أهلها يعتبرون عمل النساء في مكان مختلط إخلالا بالأخلاق الحميدة. وغالبا ما يقفون في صف المتحرش، ناهيك عن الصعوبة الشديدة في شد انتباه الناس إلى وضع المرأة لأنهم يعتبرون كل محاولة لتحسين هذا الوضع “تطبّعا بالغرب”.

"هولاباك" سعودي

تتزايد الدعوات في السعودية لإصدار قانون جديد لمكافحة التحرش في ظل تكرار عمليات مضايقة النساء في البلاد، وتثير هذه الدعوات جدلا حادا على المواقع الاجتماعية مع انتشار عدد من الفيديوهات توثّق بعض هذه الحوادث.

ودشنت مؤخرا طالبات سعوديات يقمن بالإعداد لرسالة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر بالولايات المتحدة الأميركية نسخة عربية من موقع “هولاباك” المعروف.

ويعتمد التطبيق الشهير على نشر قصص التحرش والمعاكسات اليومية، وتحديد موقعها على خارطة الموقع حتى تتسنى التوعية بوجودها ومعالجتها. وستكون النسخة العربية مخصصة لرصد حالات التحرش في السعودية ونشرها على مواقع التواصل.

ويستنكر عدد من المثقفين السعوديين عدم وجود قانون في البلاد يحمي النساء من التحرش، ويتساءل بعضهم عن دور “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” الذي يبدو أنه لم يعد كافيا للحد من ظاهرة استفحلت مؤخرا في البلاد.

وأوضحت الطالبات السعوديات أن تعريب الموقع الأميركي الشهير يأتي في إطار حرصهن على المساهمة في تخليص المجتمع من آفة التحرش أو التقليل منها عبر مساعدة المسؤولين على معرفة أكثر الأماكن التي يقع فيها التحرش ومعالجتها.

وكانت إيملي ماي قد أطلقت رفقة فريقها المبادرة التطوعية مرفقة بالموقع الرسمي لـ”هولاباك” عام 2005 بمدينة نيويورك.

ويوفر الموقع الأميركي خدمات على الهواتف الذكية وخرائط إلكترونية لنقل معاناة المتضررات والحد من الظاهرة المسيئة للمرأة.

20