التحريض على العنف مصيدة وقعت فيها المنابر الإعلامية الليبية

شكل التحريض على العنف في وسائل الإعلام الليبية أداة حرب، وانزلق الصحافيون إلى استخدام العنف كمبرر للتغير السياسي، والتحريض على العنف الجسدي للخصوم، ومباركته في بعض الأحيان بمزاعم حماية الثورة والوطن ودماء الشهداء.
الأربعاء 2016/03/30
أي انحراف يبدأ من الأفكار

طرابلس - أدان حقوقيون ليبيون خطاب التحريض على العنف والكراهية في وسائل الإعلام الليبية، وتجاهل المعايير والضوابط المهنية في تعاملها مع تغطية الأحداث ونقل المعلومات في هذا الظرف الحساس الذي تعاني منه البلاد، وطالبوا المسؤولين الليبيين بالقيام بإجراءات رادعة ومتابعة ومحاكمة أصحاب هذا الخطاب التحريضي. ومستذكرين قضية راديو وتلفزيون “دي ميل كولين” الحر في رواندا، حيث قامت المحطة بالتحريض على الإبادة الجماعية، وعليه تمت إدانة العاملين فيها أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية لأنهم تسببوا في حروب أهلية بتحريضهم على العنف.

وتحدثت منظمات دولية عديدة في تقاريرها، عن تجاوزات واسعة لوسائل الإعلام في عرضها وتغطيتها للأحداث الجارية وتضمنت تحريضا على العنف وحثا على الكراهية في أغلبها، وعلى إثر هذه التقارير قام الصحافي فتحي بن عيسى، برصد يومي لمفردات الكراهية والسب والقذف والاتهامات دون أدلة، ومفردات تدل على المصالحة، في برامج القنوات الليبية، ليصل إلى القول “النتائج صامدة” أو بمعنى آخر الحقيقة مجسدة في أرقام.

ويعمل الصحافي بن عيسى ضمن خطة اليونسكو لإصلاح وتطوير الإعلام الليبي، وتعزيز قدرة وسائل الإعلام للمساهمة في المصالحة والسلام في البلاد، وأشار إلى أنه يمكن الرجوع إلى العهد الدولي الإنساني، خصوصا المادة 19 منه المعنية بحرية التعبير، لتوضيح الفروقات بين حق التعبير عن الرأي، وبين جملة الممارسات التي ينتهجها الإعلام الليبي وتساهم بشكل كبير في التحريض على العنف وإرساء الفوضى.

وأكد أنه من خلال دراسته وجد أن ما يصل إلى 90 بالمئة، من وسائل الإعلام الليبية لا تفصح عن مصدر تمويلها ولا هوية رئيس مجلس إدارتها ولا أعضاء هذا المجلس.

وأضاف “الإعلام الليبي أسير رأس المال المبهم، الإنسان تحركه فكرة والإعلام هو من يزرع هذه الأفكار، لهذا للإعلام دور كبير في شيطنة الخصوم وتضخيم الأحداث بل أحيانا فبركتها، مما يوضح حجم المعاناة والكارثة”.

كما رصدت مجموعة حريات للتنمية وحقوق الإنسان وجمعية المراقب لحقوق الإنسان من خلال متابعتهما لخطاب وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أن هناك تحريضا على الكراهية والتمييز العنصري، والدعوة للعقوبات الجماعية. وذكرتا أنه تم استخدام العنف للتغير السياسي، والتحريض على العنف الجسدي للخصوم، ومباركته في بعض الأحيان بمزاعم حماية الثورة والوطن ودماء الشهداء.

وأشار الرئيس التنفيذي للمركز الليبي لحرية الصحافة محمد الناجم إلى أن وحدة رصد وتوثيق الانتهاكات بالمركز وثقت الخطاب التلفزيوني التحريضي الداعي للعنف والذي تستخدمه بعض القنوات المحلية ضد وسائل إعلامية أخرى، وضد بعض مكونات المجتمع الليبي في استخدام غير مهني وموجه لمهنة الصحافة بوضعها كأداة حرب ما يفقدها مكانتها ورسالتها كأداة نشر للأخبار وتوعية لمكونات المجتمع.

وأضاف أن المطلوب من الوسائل الإعلامية احترام أخلاقيات المهنة، والعمل على حل النزاعات بالحوار، وعرض المشاكل والخلافات والبحث عن حلول لها لتخفيف معاناة المدنيين والمساهمة في بناء دعائم المجتمع الليبي، بدلا من استخدامها كأداة تحريض على العنف والكراهية من منطق أيديولوجي وقبلي يذكر بدور الإعلام الطائفي في الحروب الأهلية اللبنانية. وأكد أن تعدد وسائل ومنابر الإعلام في ليبيا لا يعكس حالة الانتظام ضمن فضاء إعلامي يعي حدوده وضوابطه، بقدر ما يعكس حالة التشرذم السياسي، كما لم تعمل الحكومة والسلطات القائمة، على تشريع قوانين تنظم الفضاء الإعلامي الليبي، وأصبح كل من يملك مالا، ينشئ قنوات أو صحفا أو إذاعات، من دون أدنى ضوابط.

وأضاف “نحن نرى بشكل شبه يومي الإخلال والخروق المهنية التي يرتكبها الصحافيون سواء عبر خطاب التحريض والكراهية أو التعاطي بشكل غير مهني مع قضايا الإرهاب والنزاعات المسلحة”.

ويطالب الصحافيون بأن يتضمن دستور ليبيا القادم نصوصا تحظر الخطاب التحريضي، وأكدت المحامية خديجة الورفلي في هذا الصدد، أن هيئة صياغة مشروع الدستور نشرت على موقعها الإلكتروني ثلاث مخرجات للدستور وما يخص حرية الصحافة والإعلام وفق المادة 46 والتي تنص على أن حرية التعبير والنشر حقان مصونان، وتتخذ التدابير اللازمة لحماية الحياة الخاصة، وحظر التحريض على الكراهية والعنف والعنصرية والتكفير وفرض الأفكار بالقوة.

وأضافت أن المادة 47 تضمن الدولة حرية الصحافة والإعلام، وتعدديتها واستقلالها، وحق المواطن في ملكية وسائلها، وتنظم بما يتفق مع أسس مجتمع ديمقراطي والخصوصية الليبية. ويحظر إيقافها إلا بأمر قضائي وحلها إلا بحكم قضائي ولا يجوز الحبس الاحتياطي في قضايا الصحافة.

18