التحريك الياباني يبرز قوته في "عندما كانت مارني هناك"

الجمعة 2015/04/24
مئة دقيقة من الصفاء الروحي والبصري

من ستوديوهات غيبلي اليابانية تخرج صداقة مواسية ومشوبة بالغموض بين أنّا ومارني في فيلم التحريك (الأنيم) ”عندما كانت مارني هناك”.

قصة فيلم ”عندما كانت مارني هناك” مستوحاة من مؤلف الكاتبة البريطانية جوان غايل روبنسون الذي يعود إلى عام 1967 ويحمل نفس العنوان. وقد تمّت أقلمة أجواء القصة وممارسات شخصياتها مع طبيعة الحياة اليابانية، فظهرت ملامح مميزة للثقافة اليابانية كاللباس والوجبات وطرق التخاطب، إلى جانب نمط حياة غربي عصري ينسجم معها ويبدو طبيعيا ومألوفا.

أنّا المتبناة اليتيمة تعاني من الرّبو، ويزيد من معاناتها الانطواء على آلام الحرمان، نراها تستغرق في الرسم وتتفادى الحديث، وتبدو والدتها بالتبني في ورطة مع حالتها رغم نواياها الطيبة.

بعد استشارة مع الطبيب تهتدي إلى فكرة إرسالها لقرية كوشيرو عند أقرباء لها للتعافي بشكل أفضل واستنشاق هواء أنقى. وهناك سرعان ما تقع في جاذبية المنزل المطل على البحيرة، فيتداخل الواقع والحلم عند الفتاة الصغيرة بعد ذلك، ويحدث أمر مشابه لدى المشاهد الذي لا يدرك حقيقة شخصية مارني إلاّ في نهاية الفيلم. لا غرابة أن تخطر ببال الكبار أفلام أو قصص تحوّل فيها الغائبون إلى حاضرين فاعلين.

الموسيقى الهادئة للمُؤَلِّف تاكاتسوغو موراماتسو مرفوقة بأصوات الطيور وكائنات أخرى تمارس حياتها في دعة الطبيعة، أضفت على العمل صبغة الهدوء المريح الذي يجعل المتابع للأحداث يستسلم لمتعة تلاحقها، وإن حاول الاستعجال بتخمين ما سيأتي فإن احتمال أن تُلهيه ألوان منسجمة بعناية فائقة أو تفاصيل أخرى وارد جدا.

قدرة أفلام “الأنيم” المعتمدة على سيناريوهات غنية وإبداع في تشكيل الشخصيات رسما وتحريكا وطباعا، تعطيها ما يكفي من القوّة التي تجعلها مُقنعة، بل وقد تتفوق في جودتها وسحرها على أعمال سينمائية تتناول نفس القصة، لكن بطاقم ممثلين من لحم ودم.

ما يزيد عن المئة دقيقة بقليل، عمر يمضي بنعومة بعيدا عن أيّ خدوش قد يتسبب فيها عنف أو قسوة تحملها الصور. وقد تكون الجملة القاسية الوحيدة في كل الفيلم نعت نوبوكو في لحظة تطفلها بالخنزير البدين، الأمر الذي تعالجه نهاية الفيلم بتقديم أنَّا للاعتذار وقبوله بتصاف وتسامح.

يتعرف المشاهد في رقة حفظ الصور والحوارات لديمومتها بحرص، على أنَّا وصديقتها وماضيهما المتشابك. وتنجح البطلة الصغيرة في التصالح مع انكساراتها لتعبر إلى المستقبل بإحساس أكبر بالثقة والتوازن مدعومة بسند أقربائها وصداقات جديدة.

يبقى الأثر الذي تتركه ثمرة الإبداع المزدوج البريطاني (ممثلا في الكاتبة) والياباني إيجابيا في نفسية المُتلقي، مُلْهما للحالمين الصغار أو المتأملين لأبعاد علاقات الإنسان مع غيره وآلامه.

أما الأبطال المرحون وحتى الصامتون وقليلو الظهور كالعجوز صاحب القارب حين تكون مارني هناك وبعد أن تغيب، يشهدون بأن الإنسان لا بدّ ألاّ يترك غيره يستسلم لمعاناته وحيدا، فبما يكفي من المحبّة والمواساة والتواصل يُمسح الأذى وتُداوى النفوس.

16