التحفظ المفروض على المجتمع التركي يخلق قبولا بالمثلية الجنسية

الأربعاء 2015/09/30
احتجاجات المثليين في تركيا تعبر عن تصادم القاع الاجتماعي مع المعالجات السطحية

أنقرة - تأثرت الموجة الأخيرة لمظاهرات المثليين جنسيا في بعض المدن البارزة في تركيا بما حدث في الولايات المتحدة الأميركية في يونيو الماضي عندما شرعت المحكمة العليا الأميركية زواج المثليين جنسيا بشكل قانوني، لتكشف موجة التظاهرات التي قام بها الآلاف من الشباب الأتراك عن تحديات جديدة داخل المجتمع التركي محورها جيل كامل جديد لا يتجانس مع طبيعة السلطة القائمة ومشروعها من جهة ومع المناخ الثقافي والاجتماعي المحافظ بوجه عام في تركيا من جهة أخرى، الأمر الذي ينبئ ببداية تشكل وجه آخر لنمط حياة تسعى الأجهزة الإعلامية إلى توريته كلما برز إلى السطح.

ولم يتمكن النظام التركي الحالي من أن يثبت أطرا عامة على المستوى الثقافي والاجتماعي والفكري تجعل من فكرة التوازن في الشخصية واقعا ملموسا، فمنذ صعود الإسلاميين إلى الحكم، وضعت الآلة السياسية للعدالة والتنمية نقاطا قيمية داخل خطابها أججت العديد من المتناقضات داخل المجتمع التركي ولم تستطع البرامج الموضوعة السيطرة على بعض الظواهر وانتشارها كالمثلية الجنسية والتحول الجنسي وبعض أوجه الانحرافات الأخرى بالرغم من طبيعة المجتمع والنظام المحافظين.

وتؤكد آراء خبراء أن هذا التناقض بين طبيعة المجتمع التركي وهذه الظواهر التي انتشرت بشكل مكثف خاصة في العشرية الأخيرة يبوح بمكامن غير مرئية داخل جيل كامل من الشباب يتعاطى مع العالم ومندمج فيه بشكل يشبه الانبتات عن تاريخ وثقافة الأتراك والتحاق “هوياتي” بفضاء ثقافي وفكري آخر.

وما يزيد من تأزم هذا الواقع هو المسارات المتناقضة بين التعبيرات السياسية المفروزة في السطح السياسي التركي وبين المكامن السلوكية التي في القاع. ويقول الباحث السوسيولوجي اللبناني خليل أحمد خليل في بحثه حول سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق الأوسط المعاصر “إن التعبير السياسي عن خيال ديني يؤدي مباشرة إلى تخدير ظرفي للجمهور المتقبل، قد يستمر لسنوات، لكن بمجرد انتهاء مفعول التخدير بفعل الواقع فإن ارتدادات عكسية سوف تبرز لتصبح النقيض المباشر للخطاب الديني، وتتطرف في الذهاب إلى أبعد من ذلك، فتظهر السلوكات الخاصة والانحرافات والأقليات ذات القناعات المختلفة والمتمايزة كردة فعل نفسية اجتماعية”.

خليل أحمد خليل: تظهر الانحرافات والأقليات بسبب رفض التعاطي المحافظ مع أفكار تحررية
ويقول تقرير لجمعية المفكرة القانونية، وهي منظمة غير حكومية وتعنى بقضايا السوسيولوجيا والعلمانية في الشرق الأوسط، إن المعالجة الدينية الجافة لإشكالات اجتماعية ذات طابع فكري وسلوكي أدت إلى نتائج عكسية تماما، خاصة وأن الخطاب الديني المتجه إلى المثليين جنسيا مثلا يصدر بشكل رئيسي عن رجال سياسة وليس عن واعظين دينيين.

وكان لمثل هذه المواقف والآراء ذات الخلفية الدينية، والتي تطلقها شخصيات “محبوبة” في الشارع التركي، أن أدت إلى ازدياد رهاب المثلية ورهاب المتحولين جنسيا في المجتمع التركي. فكانت النتيجة أن كثرت الاعتداءات والممارسات التمييزية بحقهم خلال السنوات القليلة الماضية. كما أدت، بالفعل ذاته، إلى ازدهار الأفكار المعادية للسلطة فيما بينهم، وانتشار الفكر العلماني بين أعضاء الأقليات الجنسية في تركيا كردة فعل عكسية على هوية الحزب الحاكم المدفوعة بأيديولوجية إسلامية معادية لهم.

وبالرغم من تأكيد العديد من المفكرين والباحثين أن المعنى الحقيقي للعلمانية لا يمكن بأي حال من الأحوال ربطه بالحريات الجنسية على وجه الحصر (وهذا ما يسعى الإسلاميون الأتراك إلى ترويجه لتشويه المفهوم وتغيير جينات الدولة الأتاتوركية العلمانية إلى إسلامية) إلا أن التمسك بالخصوصية الذاتية والحريات الفردية يعد هاجسا لدى أغلبية جيل الشباب في تركيا حاليا بالرغم من بقائه في القاع دون أن يظهر بشكل عام وعارم إلا في بعض المناسبات كالتظاهرات الكبرى ومناسبات الاحتجاج.

وتعتبر أساليب الحد من انتشار ظاهرة المثلية الجنسية التي يستعملها النظام الحالي من الأساليب التي تؤسس لنقمة جديدة على الواقع وازدياد متواصل للظاهرة، خاصة بعد أن قررت الدولة إقامة “سجون وردية” للمثليين تفصل بينهم وبين المساجين العاديين، إذ لا يعاقب القانون في تركيا على الممارسات المثلية لكن المساجين المثليين الذين ارتكبوا جرائم يتم فصلهم عن بـاقي المساجين.

وقد قامت 18 جمعية بإصدار بيان في بداية العام 2015 رفضت فيه مشروع “السجن الوردي”، مؤكدة أنه “يعزز التمييز والتنميط الاجتماعيين بناء على الهوية الجنسية، كما يسبب أزمات عديدة لأفراد الأقليات الجنسية الذين يرفضون الإفصاح عن هويتهم الجنسية أمام الأهل، بالإضافة إلى مشقة المسافات الطويلة التي سيتوجب على الزائرين قطعها لرؤية المسجونين”. وأكدت هذه الجمعيات “أن الحكومة غير قادرة على مواجهة مشاكل التمييز في المجتمع”، وأن رهاب المثلية هو الطاغي على نظرة السلطة والمجتمع إلى الأقليات الجنسية.

12