التحفيز الاستعاري في القصة القصيرة

الجمعة 2016/09/16

رغم أن القصة القصيرة جنس سردي متميز يمتلك تقاليد خاصة، وبنية شديدة الإحكام، فإنها لم تحظ إلاّ بالقليل من الاهتمام في نظريات السرد، والتاريخ الأدبي، مقارنة بفن الرواية. ومن بين النقاد القلائل الذين نظّروا لهذا الفن الأدبي الناقد الأميركي شارلز ماي، الذي ركز في دراسته “التحفيز الاستعاري في القصة القصيرة”، المنشورة ضمن كتاب “نظرية القصة القصيرة في مفترق طرق”، على جوانب مهمة ميّزت شعرية القصة القصيرة منذ نشأتها في بداية القرن التاسع عشر، من خلال تحليله لنماذج قصصية ترجع إلى مرحلة النشأة.

يقصد شارلز ماي بالقصة ما حدده الشكلانيون الروس، أي أنها متوالية من الأفعال السابقة في وجودها، والمستقلة، عن أي تقديم كلامي للأحداث، وبهذا يجري تمييزها عن الحبكة، والخطاب. وهو يستخدمها إجرائيا بطريقتين مختلفتين، وإن كانتا مرتبطتين: طريقة تاريخية ليشير بها إلى أسبقيتها كأسطورة على كونها خطابا، وطريقة نظرية ليستغل الأسبقية المعروفة لها كمتوالية على الخطاب كتقديم بلاغي.

كما يستخدم الاستعارة، أيضا، بطريقتين مختلفتين: الأولى ليشير بها إلى “الظاهرة الدينية-الأسطورية”، والثانية بالمعنى الجمالي. أما التحفيز فيقصد به الفكرة العامة عما يصنع فعلا شخصيا بطريقة خاصة، ويستخدمه، أيضا، بالمعنى الجمالي لدى الشكلانيين الروس، وذلك لكي يشير به إلى شبكة التقنيات الأدبية التي تسوغ تقديم الموتيفات (التحفيزات) الفردية، أو الجمعية في عمل ما.

يتفق شارلز ماي مع إيخنباوم -أحد أقطاب الشكلانية- على أن القصة القصيرة شكل أساسي أولي، بل إنه يراها شكلا له صلة وثيقة بالسرد البدائي، الذي يجسد التصور الأسطوري ويلخصه، والذي يكون من سماته التكثيف لا التوسع، والتركيز لا التشتت.

وبدلا من تقديم التفاصيل بشكل خارجي تماما، وبطريقة ثابتة في الزمان والمكان، فإن القصة لا تستغل إلاّ تلك التفاصيل الضرورية والنافعة لها، ويبدو التقدّم فيها وكأنه متجه إلى هدف وحيد. وفي شكلها الفني يصبح التوتر بين المتطلبات الجمالية، ومتطلبات مشابهة الحقيقة أكثر حسما منه في الرواية؛ ذلك أن قصر القصة القصيرة يتطلب شكلا جماليا أكثر مما يتطلب شكلا طبيعيا أو أساسيا. وهي تظل -أكثر من الرواية- أقرب إلى أسلافها في بناء القصة الأسطورية، كما أنها أكثر ارتباطا بصيغة الرومانس منها بالصيغة الواقعية، ومن ثم فإن الشخصيات فيها أقرب إلى أن تكون -كما يشير الناقد الكندي نورثروب فراي- شخوصا مؤسلبة أكثر منها أناسا حقيقيين، فهي تبدو كأنها تشتغل وفقا لتقاليد مشابهة للحقيقة والمعقولية، لكن لأن قصر الشكل يمنع من التقديم الواقعي للشخصية عن طريق التفاصيل الكنائية الشاملة، وبما أن تاريخ القصة القصيرة هو التاريخ الذي تلتقي فيه الشخصية بحادثة حاسمة أو أزمة أكثر مما تتطور عبر الزمن، فإن الشكل والتراث الخاصين بالقصة القصيرة يعملان بقوة ضد التقاليد المحورية في الواقعية.

إن الشخصيات في القصة القصيرة، كما يذهب ماي، هي في الوقت نفسه أقنعة اجتماعية في قص واقعي، وتجليات رمزية في قص رومانتيكي، وتتحول في عملية السرد إلى مجاز، أي أنها تصبح واقعة في خطاب من صنع مجازها وهاجسها الخاص. وهذه هي العملية التي يحول بها التحفيز الواقعي والعرض الرومانسي قصة الرومانس القديمة إلى خطاب قصصي جديد.

ومن جانب آخر تشكّل القصة القصيرة، في رأي ماي، الجوهر البنائي لكل قص، وذلك في أخذها عن الحكاية الشعبية والأسطورة، بل إنها، رغم استمدادها مباشرة من هذه الحكاية، وذلك التراث الجمالي للرومانس، فإن ظهورها في بداية القرن التاسع عشر كان محكوما بالضرورة بفرضيتين حول علاقة الفن بالواقع: الفرضية الواقعية، والفرضية الرومانتيكية، وقد ائتلفتا في القصة القصيرة بطريقة خاصة لتخلقا قيمة نظرية في التمييز بين الميل إلى ما يسميه فراي “التمثيلي” و”المزاح” من ناحية، والميل إلى الوحدات الأسطورية والمجازية المحفوظة من ناحية أخرى (بين الحقيقة والخيال)، كما أن لها قيمة تاريخية في التذكير بأن القصة القصيرة في القرن التاسع عشر، رغم أنها استُمدت من الأسطورة البدائية، ورومانس القرون الوسطى، كان لا بد أن تدخل في علاقة مع الواقعية في رواية القرن الثامن عشر، والخيال اليقظ في شعر القرن التاسع عشر.

كاتب من العراق

14