التحقيق في اغتيال البراهمي يسيطر على إحياء تونس ذكرى الجمهورية

بعد أربع سنوات من اغتيال محمد البراهمي لا تزال الحقيقة بانتظار إماطة اللثام عن كامل أبعادها رغم ما كشفته التحقيقات من تفاصيل قد توضح بعضا من خفايا مؤامرة كان البراهمي ومن قبله شكري بلعيد أحد عناوينها بهدف تقويض المسار السياسي للبلاد بعيد الثورة.
الأربعاء 2017/07/26
التكريم وحده لا يكفي في غياب الحقيقة

تونس - عاشت تونس في الذكرى الستين لإعلان الجمهورية على وقع نقاشات وجدل بخصوص المسار الديمقراطي في البلاد، خاصة مع ارتباط الحدث بذكرى جريمة اغتيال محمد البراهمي، والتي تمت في وقت كان فيه المجلس التأسيسي يناقش تفاصيل وضع دستور الجمهورية الثانية.

وشكلت عملية اغتيال البراهمي منعرجا حاسما في المسار السياسي التونسي وهو ما جعل من كشف الحقائق المتعلقة بالجريمة أحد التعهدات التي التزم بها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إبان فوزه بالانتخابات سنة 2014.

وخلال إحياء الذكرى الرابعة لحادثة الاغتيال أشاد الرئيس التونسي بتضحيات البراهمي ودفاعه عن قيم الجمهورية والحرية في وجه الفكر المتطرف، معتبرا أن البراهمي وبلعيد “أبرز قادة الثورة التونسية”.

ودشن الرئيس التونسي ساحة البراهمي بالعاصمة التونسية تخليدا لذكراه وتكريما لنضاله السياسي، فيما جددت قيادات الجبهة الشعبية وعائلة البراهمي مطالباتها بكشف كل الحقائق المتعلقة بالجريمة.

ويجمع المراقبون في قراءتهم لتلك المرحلة على أن جريمة استهداف البراهمي وبلعيد فضلا عن موجة اغتيالات طالت أمنيين وجنودا كانت محاولة لخلط الأوراق اعتمادا على إحداث حالة من الفوضى نتيجة العملية بما يمنع قوى المعارضة من استثمار أو توظيف أي ضغوط على التحالف الحاكم في اتجاه التغيير أو حسم القضايا الخلافية.

وقال معارضون إن المسؤولية السياسية للجريمة تقع على عاتق حركة النهضة وحلفائها باعتبارها امتدادا لأزمة سياسية نتجت عن تعاطي الترويكا مع الخصوم السياسيين بمنطق المغالبة والإقصاء.

وأخرجت عملية الاغتيال المشهد السياسي من مأزق الفراغ والتعطيل المتعمد بعد أن أجبرت الترويكا تحت الضغوط الشعبية الكبيرة على تقديم تنازلات حاسمة ومؤثرة لتهدئة الأوضاع والدخول في حوار وطني شامل لوضع ترتيبات خارطة طريق توافقية.

مباركة عواينية: دماء البراهمي جنبت تونس سيناريو الحرب السورية أو الفوضى الليبية

وشددت مباركة عواينية أرملة الفقيد البراهمي وعضو مجلس نواب الشعب في تصريح لـ”العرب” على أن تضحيات البراهمي وبلعيد كانت في سبيل هذا الانتقال الديمقراطي والذي ما يزال متعثرا وغير مكتمل طالما لم يقع الكشف عن حقيقة الاغتيالات واتخاذ إجراءات حاسمة من شبكات تسفير الشباب وغيرها من المخاطر التي تتهدد الأمن القومي.

وأضافت “إن دماء الشهيدين جنبت تونس مصير الصراع الأهلي في سوريا أو سيناريو الفوضى في ليبيا بفضل يقظة أحرار البلاد وتوحد القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وحالة الوعي التي سادت الشارع بما مكن من إسقاط المؤامرة وإنقاذ المسار الديمقراطي”.

وجددت عضو مجلس النواب تحميل حركة النهضة المسؤولية المباشرة عن الجريمة، مشيرة إلى أن الكشف عن كامل أبعاد القضية سيثبت إدانتها سياسيا وأخلاقيا.

ولا يزال الغموض يحيط بالكثير من تفاصيل اغتيال كل من البراهمي وبلعيد في ظل عدم القطع القضائي بالجهة المنفذة أو الأطراف المستفيدة، ووسط شكوك واتهامات توجهها بعض الأطراف لحركة النهضة بالتساهل مع أنشطة المتشددين ما سهل عليهم تنفيذ الاغتيالات.

وتنطلق هذه الاتهامات من التسهيلات التي وفرتها الترويكا إبان الثورة للجماعات المتشددة والمتطرفة، وخاصة منها التنظيمات التكفيرية والسلفية للتحرك والنشاط وبث خطاب يعتمد التكفير والتحريض، إلى جانب غض الطرف عن تجاوزاتها وخرقها للقانون واعتداءاتها المتكررة ضد الخصوم السياسيين.

وأكدت مباركة أن النهضة وفرت الغطاء السياسي للمنفذين من خلال تشجيعها على نشر الفكر الإرهابي والتكفيري سواء عبر الدعوات السياسية وكذلك الدعاة التكفيريين الذين كانت تستقبلهم حكومة الترويكا وتفسح لهم المنابر والفضاءات لنشر أفكارهم وسمومهم في أوساط الشباب.

ولفتت إلى أن سياسة الترويكا التي عمدت إلى تقسيم المجتمع وفق منهج الكفر والإيمان كانت يمكن أن تؤدي إلى تقويض المشروع الديمقراطي الوطني وتعويضه بمشروع ديني متشدد على غرار النموذج “الداعشي”.

وعلقت بشأن تكريم ذكرى البراهمي أن مبادرة رئيس الجمهورية تعد إيجابية على الرغم من أن المطلب الأساسي يظل مرتبطا بكشف الحقيقة والجهات المسؤولة عنها.

وأضافت “نحن نتفهم أن رئيس الجمهورية لا يمتلك صلاحيات كبيرة على المستوى التنفيذي بما يكفله له الدستور من صلاحيات ونحن نقدر هذه الخطوة في بعدها الرمزي على مستوى عائلة البراهمي ورفاقه، ولكن بعد كل هذه السنوات لن يرضينا إلا كشف الحقائق وتحديد مسؤوليات سنوات عجاف عاشت خلالها البلاد في مواجهة تهديدات الفوضى والعنف والاغتيال”.

وشددت عواينية على أن دم بلعيد والبراهمي يمثل ضمير كل التونسيين على الرغم من عدم تحقيق أي تقدم في التحقيقات والملف القضائي بسبب ما اعتبرته “عدم حياد القضاء التونسي” والتحالفات السياسية التي وفرت حماية لبعض الأطراف السياسية من المساءلة.

وصرح زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي الذي أسسه الفقيد البراهمي خلال إحيائه للذكرى أن رئيس الجمهورية لم يوف بوعده في الكشف عن قتلة الشهيد مبينا ان ملف القضية لم يشهد أي تقدم ملموس وهو ما قد يكرس سابقة خطيرة في الإفلات من المحاسبة والعقاب بالنسبة إلى طبيعة الجريمة

4