التحكم الانعكاسي.. فن السيطرة على الدول انطلاقا من الإنترنت

إن المكان الذي نعيش فيه والذي يوصف بعبارة الفضاء الإلكتروني ليس معرّفا بواسطة الأصفار والوحدات، ولكن بواسطة المعلومات والناس الذين وراءها، هذا أبعد بكثير من مجرد شبكة من الكمبيوترات والأجهزة إنها شبكة تتكون من عقول تتفاعل مع الأجهزة.
السبت 2017/10/07
لنجعل العالم كذبة عظيمة

موسكو - يرتبط مصطلحا “ما بعد الحقيقة” و”الأخبار الكاذبة” اللذان مكنا السياسيين في جميع أنحاء العالم من استخدامهما لانتقاد الصحافيين، بالرئيس الأميركي دونالد ترامب أساسا، عاشق الشهرة والأضواء لكنه ليس الوحيد الذي يصف التغطية الإعلامية الحساسة بأنها أخبار كاذبة من الدولة العميقة..

وتزداد العلاقة بين ترامب وما يعرف عادة -حسب المصطلحات السوفيتية- بـ”الدولة العميقة” الأميركية تعقيدا وتضاربا. لذلك، فإن التوتر الحالي بين ترامب والولايات المتحدة “الدولة العميقة” هو بسيط جدا ويشرح “إنها حرب أهلية بوسائل أخرى”.

أما على الجانب الآخر، تحتفظ حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقائمة لتقارير الصحافة الأجنبية التي تقول إنها تحتوي على “معلومات كاذبة عن روسيا”.

لكن بوتين، المعتاد على العمل في الخفاء، يتعامل بهدوء مع الإعلام في أغلب الأحيان. فهو خبير في استغلال مدى الحريات المتاح في الفضاء الإلكتروني ويعرف كيفية تنفيذ انتقامه.

قال سابقا إنه أطلق قناة روسيا اليوم، إذاعة الأخبار والدعايات، “من أجل كسر شوكة الاحتكار الإنكلوسكسوني المهيمن على أعمال البث العالمية للمعلومات”.

وتحولت “روسيا اليوم”، التي تتخذ من موسكو مركزا لها، إلى محور للتحقيقات بالتدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016.

وفي يناير الماضي، ذكر تقرير للاستخبارات الأميركية حول التدخل الروسي في الانتخابات “آر تي” بصفتها “وسيلة الدعاية الرئيسية الدولية للكرملين”.

لكن رغم ذلك، لا يعتبر دور روسيا اليوم “الروسية” محوريا مثلما فعلت شركة فيسبوك “الأميركية” في تقويض الديمقراطية.

وشارك الرئيس الروسيّ في جلسات المؤتمر الذي نظمّه المركز الإعلامي لوكالة الإعلام الدولية الروسية تحت عنوان “عهد الصحافة الجديد، أم وداعا للإعلام السائد” بموسكو في يونيو 2016 مناقشا أهميةَ إيجاد آليات لإيجاد إعلام بديلٍ للإعلام السائد في إطار الصراع السياسي الدولي وما يؤديهِ الإعلام من دور في صناعة الرأي العام.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية والغرب قضوا السنوات العشرين الماضية في رفع مستوى الأمن الإلكتروني وإعداد جيوش من المحاربين الإلكترونيين كانت روسيا تفكر في التبعات الحاصلة على المدى البعيد

خاطب بوتين المؤتمِرين قائلا “في العالم المتغيّر تبادلتم الآراء حول المسائل التي تشغل بالكم، وطبعا هذا النقاش المباشر والصريح دائما مطلوب. في العالم هناك الكثير من المسائل الملحّة وهي جديرة بأن تدرس وتناقش وأعتقد بأنكم تباحثتم في كيفية تطوّر الصحافة اليوم، وهي لا تختلف إلاّ قليلا عما كان عليه بالأمس وهو البحث عن حقيقة في العالم المعاصر عندما تتطوّر التقنيات الإعلامية والمعلوماتية بسرعة هائلة”.

لم يكن كلام بوتين مفهوما بالقدر الكافي حينها، لكنه أراد أن يقول إن التكنولوجيا التي تنشر المعلومات بسرعة وبشكل رخيص تستطيع أيضا نشر أخبار وهمية.

فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية والغرب قضوا السنوات العشرين الماضية في رفع مستوى الأمن الإلكتروني وإعداد جيوش من المحاربين الإلكترونيين كانت روسيا تفكر في التبعات الحاصلة على المدى البعيد.

وحتى قبل وضع أول جهاز آيفون على رفوف المراكز التجارية في الأسواق العالمية أدركت الحكومة الروسية المخاطر والفرص التي تقدمها التكنولوجيا.

يستند واقعنا بشكل متزايد إلى المعلومات التي نستهلكها من على هواتفنا الموضوعة على راحة أيادينا بدءا من نشرات الأخبار التي نتصفحها ومن الهاشتاغات والقصص المتداولة على الشبكات الاجتماعية.

لقد كانت الحكومة الروسية أول من تعرف على آلية عمل هذا التطور واستطاعت تحويل عقولنا إلى أكثر جهاز قابل للاستغلال على هذا الكوكب.

تشرح الخبيرة في العمليات السيبيرانية لورا غالانتي “عقولنا بالتحديد قابلة للاستغلال مع تعودنا على تدفق غير مقيد للمعلومات. هذا المشهد الشامل للمعلومات أصبح يتيح لأي دولة أن تتسلل بكل سهولة إلى عقولنا”..

وتضيف “هذه العلامة التجارية الجديدة لعمليات المعلومات التي تدعمها الدولة التي يمكن أن تكون أكثر نجاحا بكثير، وأكثر خبثا، وأكثر صعوبة للجمهور المستهدف.. إن تكتيكات العمليات الروسية تشمل وسائل الإعلام عبر القيام بفهمها وتصنيفها وإطلاق هاشتاغات متداولة على تويتر ونشرات إخبارية زائفة موجهة إلى جمهور مستعد لاستقبالها. قد تستطيع هذه التكتيكات أيضا دفع صحافيين إلى الدوران في فلك الدعاية الزائفة. إن جميع التكتيكات المستخدمة هي فرصة فعالة لتمويه العمليات في ذهن الهدف وهو ما تطلق عليه روسيا منذ فترة طويلة “التحكم الانعكاسي”.

زوكربيرغ أدرك الحقيقة: إنه لا يعمل في مدينة تكنولوجيا فاضلة بل يعمل في العالم الحقيقي، ويجب عليه التنازل أمام الجهات التنظيمية والرأي العام

والتحكم الانعكاسي هو التمكن من استخدام معلومات ضد شخص ما حتى يقوم باتخاذ قرارات على حسابه بما يتوافق مع هوى أعدائه.. إنها سيطرة ذهنية على دولة وصياغة لإدراكها تتم عن طريق أي وسيلة.

لقد أدرك الأميركيون الأمر متأخرا، بعد فوات الأوان وانتخاب ترامب رئيسا.

لذلك، لم يدم تعنت مؤسس فيسبوك ومديره التنفيذي مارك زوكربيرغ طويلا في نفي اتهامات تفيد بأن روسيا كانت قد تلاعبت بالشبكة الخاصة به من أجل التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية.

وبعد أن اعتبرها “فكرة مجنونة جدا”، اعترف الأسبوع الماضي بأن شركة فيسبوك، التي لم تكن قط فوق الوقوع في المعمعة السياسية.

أدرك زوكربيرغ الحقيقة: إنه لا يعمل في مدينة تكنولوجيا فاضلة بل يعمل في العالم الحقيقي، ويجب عليه التنازل أمام الجهات التنظيمية والرأي العام.

في عام 2007، ترسخ حضور فيسبوك في واشنطن على يد موظف يبلغ من العمر 23 عاما يعمل من شقته الخاصة. كان يمضي كثيرا من وقته في تقديم نصائح مجانية إلى أعضاء في الكونغرس أرادوا معرفة كيف يمكنهم استخدام الموقع غير المألوف بالنسبة إليهم، لكسب أصوات الناخبين والتأثير في الناس.

الآن بعد مرور عشر سنوات، التساؤلات التي يطرحها المشرّعون أقل براءة بكثير عن تلك التي كانوا يطرحونها في ذلك الزمان.

انتشرت المعرفة المتعلقة بكيفية تحويل فيسبوك إلى أداة سياسية بشكل كبير وعلى نطاق واسع لتصل إلى روسيا، ما أثار رعب الكثير من المشرّعين.

اعتراف فيسبوك بأن أشخاصا من الروس استُغلوا قضى على الكثير من النوايا الحسنة التي كانت واشنطن تنظر بها إلى الشركة.

وقالت شركة فيسبوك إن نحو 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، وهو رقم مخفف كثيرا وفقا لخبراء شاهدوا إعلانات تبث الانقسام السياسي على موقعها للتواصل الاجتماعي، وإن روسيا اشترت هذه الإعلانات قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال العام الماضي وبعدها.

18