التحليق الروسي فوق تركيا خطأ متعمد يحمل أكثر مما يتراءى للعين

تعيش العلاقات الروسية التركية على وقع تهديدات تنبئ بتصعيد التوتر بين موسكو وأنقرة، هلى خلفية تضارب المصالح بين الجانبين في سوريا. وقد حرّك اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي، والتحرشات التي تعرضت لها المقاتلات التركية من قبل الروس، المياه الراكدة في العلاقات بين البلدين لتصل إلى حدود تبادل الاتهامات والتهديدات.
الجمعة 2015/10/09
تحليق الطيران الروسي المتعمد لمرتين فوق لواء اسكندرونة تذكير لتركيا بأن اللواء تابع لسوريا

موسكو - توعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان روسيا بأنها قد تخسر صديقا مهما كأنقرة بعد أن اعترضت مقاتلات تركية من طراز “إف 16” طريق طائرة حربية روسية انتهكت المجال الجوي التركي قرب الحدود التركية السورية، وأرغمتها على العودة إلى العمق السوري، في أول حادثة من نوعها، منذ بدء العملية العسكرية الروسية في سوريا.

وحاول أردوغان، المستميت للإطاحة بنظام الأسد، في تهديده للروس، أن يلعب بورقة الطاقة ذات الأهمية الكبرى لحلفاء الأسد، حيث قال في تصريحه إن تستطيع أن تحصل على الغاز الطبيعي من أماكن أخرى غير روسيا وإن دولا أخرى قد تبني المحطة النووية الأولى لتركيا، التي أعلنت رفضها التدخل العسكري الجوي الروسي في سوريا.

وتلبي روسيا نحو 28 إلى 30 مليون متر مكعب من الطلب التركي على الغاز الطبيعي البالغ نحو 50 مليار متر مكعب سنويا؛ كما أنها عقدت سنة 2013 صفقة هامة مع تركيا تقوم بموجبها شركة روساتوم المملوكة للحكومة الروسية ببناء أربعة مفاعلات بقدرة 1200 ميغاواط، لكن موعد بدء تشييد أول محطة نووية تركية لم يحدد بعد.

واستقوت تركيا في ردها على روسيا، بحلف شمال الأطلسي، الذي قال إنه مستعد لإرسال قوات للدفاع عن تركيا، مؤكدا أن الاختراق الروسي للأجواء التركية لم يكن عرضيا على خلاف ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الروسية، وأن الحلف رد بالفعل بزيادة قدراته، باعتبار أن الضربات الجوية والصاروخية التي تنفذها روسيا مبعث قلق.

وقال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ في بروكسل مع بدء اجتماع لوزراء دفاع الدول الأعضاء الـ28 في الحلف المنعقد في بروكسل "لاحظنا في سوريا تصعيدا مقلقا للنشاطات العسكرية الروسية" مضيفا "سنعمل على تقييم آخر التطورات وانعكاساتها على أمن الحلف".

وأضاف "هذا واضح نظرا للانتهاكات الأخيرة للمجال الجوي للحلف الأطلسي من طائرات روسية" وذلك بعدما نددت تركيا، العضو البارز في الحلف، بانتهاكات روسية لمجالها الجوي على الحدود التركية السورية.

بوتين يعمد إلى استخدام القوة لتغيير الوضع القائم في الشرق الأوسط كما فعل في أوروبا الشرقية منذ العام 2008

وقال "شهدنا ضربات جوية وإطلاق صواريخ وشهدنا عمليات اختراق للمجال الجوي التركي وكل ذلك يدعو بالطبع الى القلق. عبرنا عن هذا القلق ونبقى على اتصال وثيق مع السلطات الروسية".

وقال ستولتنبرغ "ما يقلقني هو أن الروس لا يستهدفون بشكل أساسي تنظيم داعش بل يستهدفون مجموعات أخرى من المعارضة". ودعا "روسيا إلى لعب دور بناء في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية وعدم الاستمرار في دعم نظام الأسد لأن مثل هذا الدعم ليس اسهاما بناء في حل سلمي ودائم في سوريا". وأكد على وجود "حاجة أكبر من أي وقت مضى إلى مبادرات لايجاد حل سياسي للأزمة".

وما يجعل التحليق الروسي فوق الأراضي التركية، مدعاة لقلق كبير بالنسبة إلى تركيا والناتو، وحتى الولايات المتحدة، وفق جيمس جيفري، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، هو موقعه. فوفقا لبيان صحفي صدر عن وزارة الخارجية التركية، حلّقت طائرة روسية فوق مدينة يايلاداغي في مقاطعة هاتاي. وبما أن هذه المنطقة قريبة من الحدود السورية وليست بعيدة عن مناطق القتال بين نظام الأسد وقوات الثوار، فهي ذات أهمية هائلة لأسباب أخرى.

وبما أن هذه المنطقة قريبة من الحدود السورية وليست بعيدة عن مناطق القتال بين نظام الأسد وقوات الثوار، وهي ذات أهمية هائلة لأسباب عديدة، لا يشكّك جيمس جيفري، سفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا السابق، والخبير في القضايا الإستراتيجية بمناطق الشرق الأوسط والبلقان، في فرضية أن من بين أسباب التحليق الروسي فوق تركيا تحذير أنقرة من أنها إن لم تحسن سلوكها في القضية السورية، فقد تخسر كثيرا.

وبالنظر إلى التركيبة الاجتماعية ومراجعة تاريخ تلك المنطقة بالذات، يعطي لمحة عن الثمن الذي يمكن أن تدفعه أنقرة، وبالتحديد رجب طيب أردوغان، الذي يواجه صراعا داخليا مفتوحا على عدة جبهات، ويحارب في نفس الوقت تنظيم داعش والمسلحين الأكراد.

جيمس جيفري: ما يجعل التحليق الروسي فوق الأراضي التركية مدعاة للقلق هو موقعه

وتتمتع المحافظة بتاريخ معقّد وتركيبة عرقية متشابكة، ففيها الترك والعرب والأكراد والأرمن والعلويين والتركمان والشركس والمسيحيين المشرقيين وغيرهم. ويشكو الإقليم من القمع الثقافي واللغوي والإثني الذي تمارسه تركيا عليهم والتمييز ضد الأقلية العربية لصالح العرق التركي في كل المجالات، وهو متابعة نحو التتريك الكامل للواء الاسكندرون.

وبالتالي أي تحريك لهذا الشعور بالاضطهاد وسط الأقليات لن يكون في صالح أنقرة، خاصة إذا ما تم التركيز على العلويين، الذين يمثّلون ثقلا هاما في تركيا، وهي الطائفة نفسها التي ينتمي إليها بشار الأسد ومعظم الجنرالات والمستشارين والمؤيدين المقربين منه.

ولم تعترف سوريا يوما بشكل رسمي بفقدان هاتاي ومجتمعها العلوي الكبير. كما أن الخارطة السورية لازالت لا تُظهر هاتاي كجزء من تركيا (وحتى وقت قريب، حافظ النظام على موقف جغرافي مماثل تجاه لبنان بأكمله). وفي حين توقفت دمشق عن التشديد على هاتاي كجزء من أراضيها خلال ذوبان الجليد في العلاقات – قبل عقد من الزمن – بين الأسد ورئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، إلا أنها لم تعترف رسميا بسيادة تركيا على لواء الاسكندرونة.

ويشير حيمس جفري إلى أن هاتاي، في السنوات السابقة، كانت جزءا من مجمع المواجهات المماثل للحرب الباردة بين أنقرة ودمشق، والذي شمل دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني وتأمين ملجأ لزعيمه، عبدالله أوجلان، على الأقل إلى أن هددت تركيا بغزو سوريا في أواخر التسعينات. وعندما سُئل عن التهديد السوري للمقاطعة في منتصف الثمانينات، أجاب الرئيس التركي وقائد الجيش كنعان إيفرين قائلا: “دعوهم يأتون”.

وبصفته الرئيس السوري والزعيم غير الرسمي للطائفة العلوية، من الواضح أن بشار الأسد يعرف هذه القصة بأكملها. ولكن هل تعرفها موسكو؟ من الصعب أن نعتقد أن هذا السياق قد يغيب عن دولة مهووسة لهذه الدرجة بماضيها وبمطالباتها التاريخية (شبه جزيرة القرم ليست سوى مثال واحد من العديد من الأمثلة).

لذلك، لا ينفي جفري فرضية أن التحليق فوق تركيا كان متعمّدا ووسيلة لتحذير تركيا من أنها إن لم تحسّن سلوكها في القضية السورية، حيث هي على خلاف عميق مع روسيا والأسد، فقد تدفع ثمنا باهظا في يوم من الأيام. ولكن ما يمكن للمرء قوله مع مزيد من اليقين هو أن تنظيما عسكريا عقلانيا بحكم معرفته للتاريخ، كان سيعطي تحذيرات خاصة لطياريه ولوحدات التحكم بالرادار بعدم انتهاك المجال الجوي في هاتاي. وعلى الأقل، يبدو من غير المحتمل أنه تم إعطاء مثل هذه التحذيرات.

ويخلص جيفري محذرا من أنه في حين يعمد بوتين إلى استخدام القوة لتغيير الوضع القائم في الشرق الأوسط، كما فعل في أوروبا الشرقية منذ العام 2008، فإن المجتمع الدولي لم يعد بإمكانه استبعاد أي دافع لأفعاله.

7