التحليل النفسي كآلية لمقاربة الأدب الكولونيالي

الشرق يماثل المرآة التي يتوهم الغرب أنه يرى فيها ذاته المتضخمة ولكنه لا يرى فيها نقائصه وسلبياته.
الجمعة 2019/07/12
جوزيف كونراد ممن كتبوا برؤية استعمارية

عثرت مؤخرا على دراسة مهمة كتَبَها ناقد صيني وهو الدكتور بان كاه، الذي تعرّفت عليه في إطار ندوة فكرية حول العنف الاستعماري انعقدت بجامعة لندن الشرقية. لقد عمل الدكتور كاه كأستاذ للآداب المقارنة في جامعة كورنيل الأميركية ولا يزال يواصل نشاطه الأكاديمي في جامعة سنغافورة. تحمل هذه الدراسة عنوان “موضوع الاستعمار المفقود” التي يقدّم فيها مقاربة تحليلية نفسية لنصوص أدبية استعمارية وللمواقف الجزئية والكلية التي تتضمنها.

منذ البداية يعلن الدكتور كاه هكذا “إنني أرغب في إثارة هذا الموضوع غير أنني لست بمحلل نفسي، كما أنني أملك معارف قليلة العمق بخصوص هذا الموضوع أي الاستعمار. إن الذي يثير لدي الرغبة هو فائدة التحليل النفسي في فتح الفضاءات، ومنح إمكانيات لتأويل الخطابات التي دونه تبقى مغلقة. وهكذا فإن سيغموند فرويد يؤكد منذ البداية على أن المعنى ليس متميزا فحسب، وإنما هو أيضا جزء من النظام السيميولوجي”.

ويضيف كاه شارحا أسباب استخدامه لمنهج التحليل النفسي لمعالجة موضوع الاستعمار “إنّ التحليل النفسي يرى نوعا ما، وعلى نحو ملائم، الموضوع على أنه ليس مجرد صوت تعبيري ذي امتياز، وإنما يراه على أنه اللاوعي”. ويقصد أنَ إدراك بنية السطح لموضوعات الاستعمار، بما في ذلك النصوص الأدبية بالدرجة الأولى، هو عمل تحليلي نقدي ناقص، ولكي يكتمل فإنه لا بد أن يتزامن مع تحليل البنيات المضمرة اللاواعية فيها وتعميق عملية سبر واكتشاف الجوانب التي يغطيها لاواعي المستعمر من صور، وأحلام وهوَامات.

في هذا السياق نفهم أن التحليل النفسي هو بمثابة آلية ناجعة تساعد ناقد العمل الأدبي الاستعماري على إبراز عقد المستعمرين من جهة، والكشف من جهة أخرى عن العلاقة الهوَامية والمرضية التي يقيمها هؤلاء مع المجتمعات التي يحتلونها. وفي هذا الشأن نجد أن الشرق يماثل المرآة التي يتوهم الغرب أنه يرى فيها ذاته المتضخمة، ولكن هذا الغرب الاستعماري لا يتعامل مع هذه المرآة على نحو يرى فيها نقائصه وسلبياته وجمال مدنيته في الوقت نفسه، وإنما يتعامل معها تعاملا نرجسيا استعلائيا، حيث يختزل وظيفتها في أن تعكسه فقط كصاحب القدرة الكلية والحضور الكلي حينا وحينا آخر نجده يقوم بطمسها عن طريق تحطيم مساحة تلك المرآة بالكامل إلى حد إلغائها ككناية لنسف الشرق الذي تمثله في لاوعيه.

يلاحظ الناقد بأن كاه أن الموضوعة المتكررة في أدبيات الكتّاب الإنكليز المكرّسة لتلميع وتبرير وتسويغ الأيديولوجية الاستعمارية تتلخص جوهريا في وصف الغربي بالكفاءة وامتلاك الدقة، أما عندما يتعلق الأمر بوصف الشرقي، أو الأفريقي، فإن كتّاب تلك النصوص الأدبية ينكرون عليه هذه الصفات والقدرات، ولتعميق نظرتهم الدونية نجدهم ينمطون الإنسان الشرقي والأفريقي في خانة العاجز والفاقد للفاعلية.

إن إحساس الغربي بامتلاكه للقدرة الكلية يعني استغراق الغربي المستمر في عالم الوهم والرغبات من أجل أن يشعر بالرضا الكلي عن نفسه، ويبيّن الناقد كاه تضاريس هذه الثيمة في النص الموجز التالي الذي اقتطفه من رواية جوزيف كونراد “قلب الظلام”.

يقول كونراد في هذا النص “إنَ الشيء الوحيد والأول الذي اكتشفته هو أن اتجاه وجهتي كان ثمة وجه أسود ومغلق العينين. إنه الرأس الذي بدا دائما على قمة الصعود، وهو ذو شفاه منكمشة تظهر خطاً أبيض ضيقاً لأسنانه. كان يبتسم أيضا”.

يكشف هذا النص الصغير عن صورة نمطية للإنسان الأسود كما هي مرسومة في لاوعي الكاتب الكولونيالي الغربي وهو كونراد، ولاشك أن سيل النعوت المتعاقبة التي سلح بها كونراد هذه السردية لوصف فيزيولوجية الأسود يهدف من ورائها بوعي أو دون وعي منه إلى تصوير هذه الشخصية السوداء بشكل سلبي على نحو تام، وبذلك فقد تمكن من صنع حالة ارتباك تجاه شكل ولون هذا الشخص الأسود، وفضلا عن ذلك فإن هذا النص لا يكتفي بتصوير الجانب الفيزيولوجي من شخصية الأفريقي فقط، وإنما نجده يتضمن على نحو موارب سخرية من وجوده ككل، أي أن غاية منتج النص الكولونيالي، وهو جوزيف كونراد، هو إقناع القارئ بعجز هذا الإنسان الأفريقي وانحطاطه وتخلفه.

وفي مكان آخر من هذه الدراسة الموسومة بـ”موضوع الاستعمار المفقود” بين الناقد بان كاه، وذلك بواسطة استخدامه لمنهج التحليل النفسي، أن النصوص الأدبية الاستعمارية في جزء كبير منها هي إسقاط نفسي وإزاحة تخيلية، وبمعنى آخر فهي ليست سوى ذلك التعبير عن مخزون اللاوعي الاستعماري الذي يظهر في تفاصيل التمثّلات التعسفية المكرسة لتحقير الشعوب المستعمرة.

على ضوء ما تقدّم فإنه يمكن لنا أن نستنتج أن تحليل أبنية لاوعي الكاتب المستعمر الغربي نفسيا ستؤدي بنا ليس فقط إلى معرفة جزئيات صور الشعوب المستعمرة في لاوعيه، وإنما ستفضي بنا كذلك إلى إدراك صورة المستعمر نفسه أيضا وهو في حالة الارتباك الناتجة عن الاصطدام بثقافة وإنسان البلدان المستعمرة.

 وهكذا نفهم أن تحليل النصوص الكولونيالية نفسيا لا يقدم تمثلات نمطية غير واعية للمستعمَرين (بفتح العين) فقط، وإنما تكشف أيضا عن عقد وإسقاطات وإزاحات المستعمرين (بكسر العين) وبدراستنا لها سوف ندرك أن العالم الاستعماري ليس أحاديا وإنما هو عالم الثنائيات المتضادة المتشابكة التي تعكس بعضها البعض مثل السائر وظله.

15