التحليل النفسي للأدب.. والقراءة بكامل اللاوعي!

الناقد المغربي حسن المودن يبحث في معنى أن تكون ناقدا نفسيا اليوم، حيث يخلق المحلل القارئ انطلاقا من قراءاته المتواصلة حوارا داخليا بين الأدب والتحليل النفسي.
الأحد 2020/03/08
تطبيق الأدب على التحليل النفسي (لوحة للفنانة سعاد عبدالله)

ما زال الاهتمام بالعلاقة الإشكاليّة بين الأدب والتحليل النفسي، في عالمنا العربي خجولا، كما أنّ دراسته لا تحظى بالاهتمام على مستوى المحللين النفسيين وأيضا نقّاد الأدب، وإن جاءت فهي محاولات فرديّة، لا تعكس روح الفريق الذي تتطلّبه مثل هذه الدراسات عكس صورتها في الغرب، حيث أخذت العلاقة سمتا جديدا فارق محاولات التأسيس الأولى، إلى آفاق رحبة، قامت باستبدال مواقع طرفي العلاقة وجعل الأدب هو الذي يدرس التحليل النفسي، خاصة بعد جهود الناقد النفسي الفرنسي جان بيلمان نويل، والتي تبلورت في إقصاء المؤلِّف والتركيز على النّص نفسه، وهو ما تطوّر لاحقا في دراسات الناقد الفرنسي بيير بيار وطرحه لنسق جديد تحت مسمى المَحْكى النظري، خاصّة في دراساته عن الرّواية البوليسيّة، التي جعلت من المحلل النفسي أشبه بالمحقّق البوليسي، ساعيا لا لكشف الاسم الحقيقي للقاتل، وإنما للتحريض على التفكير من جديد في عمل المؤوِّل أو القارئ وطريقة اشتغاله، فيقوم بتحقيق مضاد، واضعا قاعدة عنوانها “التأويل باعتباره هذيانا”.

التغيّرات التي حلّت على العلاقة الإشكالية بين الأدب والتحليل النفسي، يرصدها الأكاديمي المغربي حسن المودن في كتابه الذي صدر مؤخرا مع منشورات الدوحة بعنوان “ما معنى أن تكون ناقدا نفسيا اليوم؟ الأدب والتحليل النفسي” فيستعرض لجهود المحللين النفسيين بدءا من فرويد وصولا إلى بيير بيّار وجهوده، في تطبيق الأدب على التحليل النفسي، وتوظيف السخرية والمفارقة لصالح تحليل أدبي متجدّد.

وهو بهذا يسعى إلى اكتشاف الإمكانات النظرية التي يمكن أن توجد في فعل الكتابة نفسه، بابتكار “المحلّل القارئ” بديلا عن “المحلل النفساني“، حيث المحلل القارئ، هو الذي يجعل من القراءة المنطلق لا المنتهى، ويجدد معرفته الأدبية والنفسانية، انطلاقا من قراءاته المتواصلة، بالشكل الذي يخلق باستمرار حوارا داخليا بين الأدب والتحليل النفسي، بين النص والمنهج والنظريّة من أجل فهم متجدّد للإنسان، ولغته وأدبه. وهو ما يقودنا إلى أن نعيد بلذة جديدة اكتشاف النصوص الكبرى، كهوميروس وسوفوكل وشكسبير وموباسان، وغيرهم، كي نكتشف فيها حقيقة غير التي ادّعاها السابقون.

مراجعة المسلّمات

فتح أفقا آخر غير مطروق في النقد العربي
فتح أفقا آخر غير مطروق في النقد العربي

في محاولة للإجابة عن تساؤل يفتتح به المؤلف كتابه مفاده: هل التصورات التي حدّدها سيغموند فرويد من قبل، وأكدّها المعلم الثاني للتحليل النفسي جاك لاكان، قابلة للتطبيق على النصوص الإبداعية الآن؟ يعود بنا حسن المودن إلى البدايات إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث تشكلّت هذه العلاقة الإشكاليّة بين الأدب والتحليل النفسي عبر تصورات فرويد. ويرى أن هذه العلاقة على امتداد أكثر من مئة عام شهدت “تطورات مهمّة وتحولات نوعيّة” بل وولّدت أسئلة وإشكالات جديدة بين طرفي تلك العلاقة. انتهتْ فيما انتهت إليه إلى السؤال الذي اتّخذه عنوانا للكتاب.

وقد اعتبر هذا السؤال بمثابة نافذة يعود بها إلى الماضي بغية إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الطرفين (الأدب والتحليل النفسي) وهو ما يعني – في المقام الأوّل – إعادة مراجعة لحدود العلاقة حيث لم يعد مقنعا “أن يخضع الأدب لمسلّمات التحليل النفسي وتمريناته التي أصابها الجمود والإفلاس” دون مراجعة أو المساهمة في بناء تصورات نفسانية جديدة للإنسان ولغته وأدبه.

ولهذا يقر بضرورة الرجوع إلى فرويد، باعتباره مؤسّس التحليل النفسي، ولما قام به من أدوار في تخصيب هذه العلاقة بين التحليل النفسي والأدب. وبالمثل إلى جاك لاكان باعتباره المعلّم الثاني للتحليل النفسي، حيث أعاد قراءة فرويد في ضوء العلوم المعاصرة واللسانيات السويسرية، وما أحدثته من تحوّل نوعي في مسار العلاقة بين الجانبيْن. فالتحليل النفسي الفرويدي أسّس شبكة من الروابط والعلائق بين اللاوعي واللغة، لكن في جهل تام باللسانيات، وهو ما استدركه جاك لاكان في ما بعد، الذي عمل على أن يكون التحليل النفسي تابعا للسانيات، بعدما لم يتحقّق اللقاء بين فرويد ودو سوسير. مع التأكيد على أن علم التحليل النفسي لم ينظر إلى اللغة كنظرة دو سوسير، أي علامة لها مدلول ثابت، فاللغة عند لاكان ليست نسقا من العلامات، بل هي نسق من الدّوال.

كما أنّ العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي واللسانيات، فعلى مستوى الطرف الأول والثاني فليس التحليل النفسي هو الذي يضيء الأدب، بل على الأدب أن يضيء التحليل النفسي. وعلى مستوى العلاقة بينهما وبين اللسانيات، فإن التحليل النفسي والأدب لا يقنعان بـأن يتحولا إلى مجرد أمثلة من اللغة المستعملة، تعمل اللسانيات على توضيحها وإضاءتها، بل يكتشفان بعدا في اللغة يصمد أمام المعرفة اللسانية. وبذلك تكون أفعال اللغة لا تحيل على دلالات بل إنها تحدّد علامات، والعلامة لها تحديد خاص، يسميه فرويد “التحديد المتعدّد“.

يسعى الكاتب إلى اكتشاف الإمكانات النظرية التي يمكن أن توجد في فعل الكتابة نفسه، بابتكار {المحلّل القارئ} بديلا عن {المحلل النفساني}، حيث المحلل القارئ، هو الذي يجعل من القراءة المنطلق لا المنتهى

ويتطرق – في استعراض لتاريخ العلاقة بين الطرفين الأدب والتحليل النفسي – إلى رؤية رولان بارت، ويفترض أن ثمة علاقة وثيقة بين أعمال بارت والتحليل النفسي، ولكن مع الأسف طالها الإهمال، ومرجع هذا الإهمال عنده، إلى موقف بارت السّجالي من أيديولوجية التحليل النفسي، ومع هذه المسافة التي وضعها إلا أنّها لم تمنعه من استخدام مفاهيم التحليل النفسي، ومرجعياته؛ النظرية والتطبيقية، خاصّة في دراسته عن راسين، حيث استعان بمجموعة من الموضوعات والمفهومات النفسانية (الإيروس، الاضطراب، المشهد الإيروسي، العلاقة، العدوانية، الانقسام، الأب..) وصولا إلى مؤلفه “لذة النص“.

 بل يمكن كما يقول حسن المودن، اعتبار مؤلفات بارت الإبداعية مثل: “رولان بارت بقلم رولان بارت“، و“شذرات من خطاب عاشق” كتابات تمارس التحليل النفسي، تحت مسمى “التحليل الذاتي” حتى وإن عبّر عنها بموقف ضدّ، فهو أشبه بالبطل الإغريقي “أورفيوس” يعود إلى ما يحبُّ لكنه يغادره من دون أن ترافقه حبيبته. فهو يعود إلى التحليل النفسي، لكنه يغادره بخطاب تحليلي آخر على الذي رجع إليه. فما فعله بارت في دراسته عن راسين، كان بمثابة تدشينا لمرحلة جديدة في التحليل النفسي، تجعل من مؤلف النص بعيدا عن اللعبة، وهو ظهر بوضوح في مقاربات الناقد الفرنسي جان بيلمان نويل، حيث سمّى مقارباته بالتحليل النصي، وهي مقاربة تدرس لاوعي النص بعيدا عن المؤلف المبدع ولاوعيه، منطلقا من مقاربة مفادها “أن لكلّ نص لاوعيه”، بمعنى أن يكون كلّ نص معمولا بخطاب لاواع. فقد أخذ مسافة عن محاولاته السابقة التي كانت تظهر فيها صرامة تمسكه بالتصور البنيوي للنص الأدبي وبالتحليل النفسي عند جاك لاكان. وبذلك تحرر النقد النفسي على يديه من تلك القيود التي كانت تعتبر النص مجرد وسيلة لتحليل لاوعي المؤلف، والكشف عن عقده ومكبوتاته وصدماته وهواجسه، إلى أن يصل إلى إعطاء القارئ استقلاله.

بورخيس يعيد فرويد

تطبيق الأدب على التحليل النفسي (لوحة للفنانة سعاد عبدالله)
منح النصوص الأدبيّة بعدا آخر (لوحة للفنانة سعاد عبدالله)

وعن علاقة بورخيس بفرويد، خاصة في ظل سخرية بورخيس واعتباره التحليل النفسي نوعا من الفنتازيا، ونوعا من الصبيانية، وكذلك انمحاء أثر فرويد في نصوص بورخيس القصصيّة، يقول المودن إنه يمكننا أن نفترض أن بورخيس كان يجهل التحليل النفسي الفرويدي، لكن الحقيقة عكس هذا، فبورخيس لم يجهله، بل كان يعيد كتابته بالمعنى البورخيسي نفسه، يعيد قراءته ومساءلته وربما تقويمه وتطويره، وهذا التصوّر عكس ما قيل عن العلاقة الظاهرية بينهما. على نحو ما كان بين رولان بارت وفرويد، وظهرت تحليلات وموضوعات فرويد في نصوص بارت.

فمع أنه يرفض تطبيق التحليل النفسي على الأدب، إلّا أنّه في الوقت نفسه يفضل تطبيق الأدب على التحليل النفسي. لأن الأدب هو الذي يتجدّد باستمرار. وهو الأقدر على تجديد أسئلة التحليل النفسي ومفهوماته وتصوراته حول الإنسان ولغته وأدبه. وهو ما ارتبط عنده بمفهوم جديد للكتابة يـأخذ من الواقع، إلّا أنه يحلّق في فضاءات الخيال والرمز والغرابة واللامعقول. إضافة إلى أنه في نصوصه التخييليّة كان ينتصر للتحليل النفسي وكان يتبنى السؤال الفرويدي بشكل من الأشكال ولكن من مرجعيات أخرى؛ أدبية، ثقافية فكرية وفلسفية.

ينتهي إلى أن الدور الذي قدمه التحليل النفسي على مدار قرن كامل مهمّ، حيث سمح بمنح النصوص الأدبيّة بعدا آخر، وكذلك فقد ساهم هذا على الجانب الموازي في تدشين آفاق جديدة للقراءة. وهو ما أعاد النظر في المسلمات القديمة، وقلب الأدوار، وبذلك صار الأدب لا التحليل النفسي هو المصدر الأساسي للتنظيرات والتصوّرات النفسانيّة. فتطبيق الأدب على التحليل النفسي لا العكس، هو الطريق المثمر الناجع، لأن التحليل النفسي كسلان سرعان ما يركن إلى مسلماته في حين نجد الأدب هو الذي يبقى حيا متواصلا لا نهائيا، وأن الهزّة المطلوبة في القارئ لا تتحقّق إلا إذا استوعب أن الكتابة “لا تنتهي إلى يقين”. وبذلك تكون قيمة الكتابة الأدبية القصصية (تحديدا) تكمن في الذّات كما لاحظ بيير بيار، وفي “اللابتيّة” أي أن الأدب لا يَبُتُّ في أمر ولا يحسم ويترك الأمر داخل نوع من الغموض والالتباس والتردّد والحيرة، فالأمر ممكن وغير ممكن في الوقت نفسه.

وكل هذا يشير إلى إمكانية تصور نفساني مغاير لما اقترحه فرويد. وهو ما ينسحب إلى مساءلة طبيعة اللغة النقدية؟ هل هي مجرد لغة واصفة خالصة تدعي العلْميّة والموضوعيّة، أم أنها لغة تستمد قوتها من الجمع بين التنظير والتخييل، بين الأدبي والعلمي. وإن كان في الأخير لا ينفي غياب فرويد، فهو يحيا في الفضاء الحميمي للكلمات في سحرها وأصواتها وصورها. فأعماله في مجموعها لا تشكّل إلا مؤلفا روائيا ضخما. كما أنّه تحوّل في السنوات الأخيرة إلى شخصية من شخصيات التخييل الأدبي.

12