التحليل النفسي والشخصية العربية

الجمعة 2016/12/02

في أحد الحوارات التي أجريت معها أكدت المستشرقة الأوكرانية يانا كوروبوكو التي أنجزت عدة مؤلفات في مجال التحليل النفسي للتطرف الديني وللبنية النفسية للمسلم أن ”الأمراض النفسية التي تصيب بعض المسلمين هي نتيجة للظروف الاجتماعية المحيطة بهم”، وفي تقديرها تتمثل هذه الأمراض في “مواقف الحياة المتكررة كالقلق والصدمة النفسية وعدم الاستقرار العاطفي وتقلبات المزاج والفقدان والمعاناة والألم وسكرة الموت والعدوانية والتعلق العاطفي والإدمان والخوف من الموت”.

لا شك أن هذه الأمراض متفشية في مجتمعاتنا حيث تظهر في السلوك اليومي للأفراد والجماعات وعلى مستوى النخب السياسية، وكثيرا ما نجد هذه الظواهر المرضية منعكسة في الكثير من الأعمال الإبداعية العربية أيضا. وهنا نتساءل: لماذا يقصى التحليل النفسي من برامجنا ومناهجنا التربوية؟ ولماذا لا تهتم وزارات الصحة في بلداننا بهذا المنهج المعرفي وتطورات مدارسه ومنظوراته المتعددة سواء عند تكوين الأطباء والممرضين أو مستشاري الشؤون الصحية علما أن الصحة النفسية والعقلية ركنان أساسيان لا ينفصلان عن ركن الصحة الجسدية؟

ثم لماذا لا يوجد ببلداننا نقاد الفكر والإبداع الذين يكرسون جهودهم لتحليل علاقة البنية النفسية بالبناء الحضاري وصنع التاريخ والهويات الوطنية؟

لا شك أن التحليل النفسي للسياسة والسلطة وإشكالية الديمقراطية مطلب معرفي ضروري جدا علما أن القيام بهذه المهمة مرهون بدراسة دور الكبت، والقمع، والنكوص، والتشيؤ، وتغريب الذاتية، وما ينجر عنها من عقد ورضات نفسية تلعب دورا مركزيا في تأخير مجتمعاتنا.

إن الدعوة إلى التركيز على تحليل االمشكلات النفسية في مجتمعاتنا لا يعني إهمال الظواهر الاقتصادية والتراث والتاريخ والثقافة، بل إن كافة هذه الظواهر تؤثر في بعضها البعض، ولها دور في بناء الشخصيات السياسية، أو الاجتماعية نفسيا. لا أحد ينكر أن الهرم السياسي السوي هو نتاج للأسرة السوية، هذا وقد أبرزت الدراسات النفسية المعاصرة أن الأسر التي يتم توزيع السلطة فيها توزيعا متساويا، ومن دون إقصاء أو إلغاء أو إنكار، هي مصدر الذهنية الجماعية الديمقراطية، وأن دكتاتورية الآباء داخل الأسر تفضي إلى إنتاج أجيال دكتاتورية عنيفة تمارس إلغاء الآخرين.

إن علاج إشكالية السلطة، والثقافة التي تشكل جميع الذوات في المجتمع من شأنه أن يساعدنا على إدراك وعلاج زوايا الخلل المعتمة وذلك سعيا إلى بناء صرح الفردية الحداثية المفقودة في الثقافة العربية والتي تعرقل ميلادها هيمنة “البنية الاجتماعية العربية (التي) لا تزال في أكثر المناطق الريفية قبلية”، كما يرى المحلل النفسي المصري مصطفى صفوان.

كاتب جزائري

15