التحليل يطغى على الحقائق في تغطية الإعلام العربي للانتخابات الأميركية

سيناريوهات محللين تفتقر إلى معرفة أدبيات السياسة الأميركية.
الثلاثاء 2020/10/20
صورة مشوشة في غالبية القنوات العربية

يزدهر موسم المحللين السياسيين على القنوات الفضائية العربية بشكل خاص خلال الانتخابات الأميركية، وتستعيض بهم وسائل الإعلام بدل المراسلين المتخصصين الذين من المفترض أن يقدموا تقارير عن السباق الرئاسي الأميركي ونتائجه  تتناسب مع ما يريد الجمهور العربي معرفته عنه وتأثيراته على المنطقة العربية، بعيدا عن الشائعات والمغالطات التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي الغربية.

واشنطن - تحتل الانتخابات الأميركية مساحة واسعة من صفحات الصحف ووسائل الإعلام العربية، لكن تغلب عليها الترجمة والنقل وترديد ما تقوله وسائل الإعلام الأميركية التي تتوجه إلى الجمهور الأميركي بما يناسب اهتماماته وتأثير نتائج الانتخابات على حياته اليومية، وهو مختلف تماما عما يحتاجه الجمهور العربي من معلومات حول هذه الانتخابات.

وقد تختلف تغطية الانتخابات بشكل كبير من دورة إلى أخرى، لكنّ التغيّرات الطارئة بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية الأميركية جعلتها حدثا تصعب تغطيته بالنسبة للصحافيين، لاسيما مع تفشي جائحة كوفيد – 19 وانتشار المعلومات المضللة حولها، وعدم تمكّن الصحافيين من التنقل والسفر، فشاع في وسائل الإعلام، خصوصا العربية، الاعتماد على ما تقوله وسائل الإعلام الأميركية على اختلاف توجهاتها، ونقل تقاريرها وتحليلاتها دون تدقيق وتحقق.

ويرافق السباق الانتخابي في الولايات المتحدة الأميركية، سباق من نوع آخر في القنوات الفضائية العربية على استضافة “محللين وخبراء إعلام” ينتقلون من فضائية إلى أخرى لنقل مستجدات الصراع بين الرئيس الجمهوري دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن والاستعدادات والتوقعات ومسار الانتخاب وصولا إلى النتائج وما بعدها أيضا، مستفيدين من اهتمام الجمهور العربي بهذه الانتخابات، بما يفوق اهتمامه بانتخابات بلاده في الكثير من الأحيان، إذ يصبح التحليل السياسي حول آثار الانتخابات الأميركية على المنطقة العربية حديث الشارع والمقاهي.

ويبدأ المحللون في البعض من المنابر الإعلامية باستعراض السيناريوهات منها ما هو واقعي وأكثرها خيالي لا يستند إلى أدنى معرفة بأدبيات السياسية والواقع الأميركي، ويروّجون لفوز الجمهوريين أو الديمقراطيين وما سيحملونه للعالم العربي، ويذهبون إلى تعليق الآمال على الرئيس الأميركي الجديد بحل أزمات أو التخلص من أنظمة ودعم أخرى وحياكة المؤامرات ضد بعض الدول.

وخلف الضجة الإعلامية المتصاعدة مع اقتراب الحملة الانتخابية من نهايتها، تُظهر تقارير وسائل الإعلام العربية تواضعا مهنيا، بعدم الاستعانة بمصادر حقيقة من الولايات المتحدة، ويفشل التضخيم الإعلامي في نقل حقائق تمس فعلا الشارع العربي، فيما يؤكد متخصصون في الإعلام أن أول الدروس المستفادة من تغطية انتخابات عام 2016 هو ضرورة تنويع شبكة المصادر الخاصة بوسائل الإعلام للحصول على وجهات نظر وخبرات متعارضة، لتستطيع المنابر الصحافية تقديم صورة صحيحة عن الانقسامات والاصطفافات الخاصة بالانتخابات.

بريشيو سيغوفيا: المراسلون عليهم ترجمة اللغة النقدية والمفاهيم الثقافية
بريشيو سيغوفيا: المراسلون عليهم ترجمة اللغة النقدية والمفاهيم الثقافية

ونصحت الصحافية كاري بودوف براون، التي غطّت حملة باراك أوباما الرئاسية عام 2008 وعملت سابقا كمراسلة لبوليتيكو في البيت الأبيض، الصحافيين الأجانب بالبقاء في حالة تشكيك والامتناع عن إعداد تقارير عن نتيجة نهائية قد يفترضون أنها ستتحقق. وأضافت أنّه “من المهم بالنسبة للصحافيين تكوين مجموعة من جهات الاتصال وشبكة مصادر متنوعة جغرافيا ومهنيا وعرقيا واثنيا للاستفادة منها في تقاريرهم”.

وحثت براون خلال ويبنار نظمته شبك الصحافيين الدوليين، جميع المراسلين الصحافيين على متابعة قصص لم يكتب عنها أي صحافي بعد، وقالت “دعونا نعثر على شيء جديد لنتحدث عنه أو ننتظر حتى نجد أمرا جديدة أو زاوية مهمة للتغطية، وأعتقد أن هذا ضروري ليميّز الصحافي نفسه في بيئة إعلامية مزدحمة للغاية”.

وشددت على أهمية أن يكون الصحافي غير منحاز من أجل البحث عن الحقائق بموضوعية ويكافح المعلومات المضللة، وأضافت “يمكن أن يتحدّث الصحافيون إلى الجماهير وأن يحصلوا على معلومات وإجابات من المصادر، ولذلك عليهم الحفاظ على المصداقية والاستناد إلى حقائق والتحقق من المعلومات ونشرها للعالم”.

ويفرض هذا الأمر مسؤولية مضاعفة على مراسلي وسائل الإعلام العربية في الولايات المتحدة الذين يحتاجون إلى التنقل بين الولايات قدر المستطاع والتحدث إلى الناس ونقل صورة واضحة وحقيقية للجمهور.

وباتت التغطية الصحافية للحملة الانتخابية أكثر صعوبة حاليا بسبب قيود السفر والاتصال بالناخبين. وتحتاج وسائل الإعلام إلى الاعتماد على مراسلين في جميع أنحاء الولايات المتحدة لتقديم تقارير مكثفة عما يحدث من أجل إعطاء صورة أفضل عن الوجهة التي تتجه إليها الانتخابات الأميركية، وهذا يتطلب تكلفة إضافية لا تستطيع وسائل الإعلام العربية تحملها، لذلك عليها البحث عن بدائل أخرى.

وقال الصحافي بريشيو سيغوفيا، الحائز على جوائز وغطّى أحداثا وأعدّ تقارير في أكثر من 30 دولة خلال حياته المهنية، “لا يمكن الاعتماد إلى مؤشرات واشنطن العاصمة لتغطية الانتخابات الأميركية، فهي لا تمثّل الولايات المتحدة بأكملها”، ونصح الصحافيين الذين يغطون الانتخابات الأميركية لجمهور غير أميركي بالبحث عن زوايا جديدة لتغطيتها”.

وأضاف سيغوفيا خلال مشاركته في الويبنار “يتعيّن على المراسلين الأجانب أن يكونوا قادرين على ترجمة اللغة النقدية والمفاهيم الثقافية، فمن أساسيات الصحافة محاولة شرح الأمور التي يصعب فهمها عادة بطريقة سهلة ومبسّطة”.

ونوه إلى أن هذه المهمة “تصعب في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يستخدم الكثير من الكلمات العامية في تغريداته، وبعض التعابير التي تصعب ترجمتها، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى ضياع المقصود من رسالته”.

ويواجه الصحافيون الكثير من الصعوبات في عمليات تقصي الحقائق، إلا أن التأكد من المعلومات والمصادر الموثوقة جزء أساسي من طبيعة عملهم، وبسبب الأحداث التي وقعت خلال السنوات الأربع الماضية وانتشار الأخبار الكاذبة  والضجة التي أثيرت حول التدخل في الانتخابات، يضطر المراسلون إلى التثبت من الحقائق أكثر من أي وقت مضى.

وقال سيغوفيا “لا يمكننا أن ندع الرئيس يقرر الأجندة الإخبارية، وعلى الصحافيين التحقق من مصدر الأخبار وتحديد ما هي التقارير التي سينفذونها”.

وأوضح “نحن بحاجة إلى تثقيف الأجيال الجديدة من متابعي الأخبار، ما هو دور الصحافي؟ لماذا الصحافة مهمة؟ لماذا من المهم التحقق من مصادر متعددة؟”.

18