"التحنين" أهازيج فلسطينية تودع الحجاج وتستقبلهم

ورث الفلسطينيون منذ القدم عادات توديع الحجاج الذين كانوا يسافرون على ظهور الإبل، فكانوا يرددون أهازيج مشربة بالحزن والشوق إلى زيارة قبر الرسول، والدعوات بالعودة سالمين.
السبت 2015/10/10
النساء يلتقين في جلسات متتالية لتوديع الحاج

القدس – اعتادت النساء الفلسطينيات قبل سفر الحجاج على إنشاد ما يعرف بـ”التحنين”، وهي أهازيج أو أناشيد لوداع الحجاج، وحتى في استقبالهم لدى عودتهم من مكة، ومن هذه الأناشيد “حجنا طاح البحر في يده كيله.. يا رب ترده سالم للعيلة”، و”حجنا طاح البحر في يده الإبريق.. يا رب ترده سالم من الطريق”.

ناهد أبو غنيم من قرية قالونيا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، قالت إن “الحج في قريتنا كباقي قرى فلسطين، حيث كان الحجاج يسافرون بواسطة الإبل، وكانت الطرق محفوفة بالمخاطر من قطّاع الطرق ومشاق السفر، واستمر هذا الحال حتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، عندها بدأ الحجاج يسافرون بالسيارات إلى مدينة يافا، ومن يافا يتوجهون بحرا إلى ميناء بور سعيد في مصر، وعبر قناة السويس إلى ميناء جدة على البحر الأحمر، ومن هناك يتوجهون برا إلى مكة المكرمة”.

وأضافت “للمكانة العظيمة لفريضة الحج وللمخاطر والصعوبات التي تواجه الحجاج، حيث يغيبون أشهرا عن بلدتهم، كانت رحلة الحج والحجاج حديث الساعة في القرية، وكان بيت الحاج مفتوحا للزوار من أبناء القرية رجالا ونساء لوداعه، وكانت النسوة ينشدن ما يعرف بالتحنين أو الترويدة”.

وبينت أنه قبل سفر الحاج بيوم واحد، يتوافد جميع رجال القرية إلى بيت الحاج لوداعه والدعاء له، كما يرافق الحاج عدد من أهله إلى مدينة يافا لوداعه في الميناء البحري، لينتظروا يوم عودته بفارغ الصبر. أما حين عودته فكانوا يستقبلونه بالأهازيج وبنحر الذبائح وإعداد ولائم يدعون لها أهل القرية، رجالا ونساء، احتفالا بعودته وبأدائه فريضه الحج، ويقوم الحاج بتوزيع الهدايا، التي تكون عادة مسبحة أو تمرا أو سجادة للصلاة أو حناء.

ورأت منال الجعبة، أن حرارة الوداع مهما تكن قاسية، فإن حرارة الإستقبال تكون أشد وأقوى ابتهاجا وفرحا بالقادمين من بيت الله الحرام بعد تأديتهم فريضة الحج، فما إن يعلم أهل البلدة أو القرية باقتراب موعد قدوم ركب الحجيج حتى يباشروا بتزيين البيوت وشوارع الحارات والميادين والدواوين العامة المخصصة لاستقبال الحجاج، بالأنوار ومختلف أنواع الزينة وأشكالها وألوانها.

تتجمع النسوة في بيوت الحجاج ويجلسن في صفين متقابلين أو يأخذن شكلا شبه دائري، ويرد كل فريق منهن على الآخر بأهازيج الحزية في الوداع، وبفرحة العيد في العودة

وأضافت “اليوم الذي يسبق وصول الحجاج إلى بيوتهم لا يقل ابتهاجا وفرحا وسعادة عن يوم العيد، فتجد أهل الحجاج وأقرباءهم وأصدقاءهم يتجمعون عند بيوت الحجاج ويساعدون أهل البيت بالتزيين والتنظيف والترتيب وإعداد أشكال وألوان مختلفة من الأكلات والحلويات الفلسطينية الشهيرة واللذيدة، وما إن يصل الحاج إلى مدخل قريته أو مدينته حتى تبدأ مراسم الاستقبال والتهنئة بالزغاريد والأناشيد المرحبة بحجاج بيت الله الحرام”.

وألمحت إلى أنه كان من المتبع قديما أن يحضروا الخراف ويذبحونها فور وصول الحاج، ومن ثم يبدأون بإعداد وجبات الطعام للضيوف وتوزيع كمية منها على الفقراء والمحتاجين.

وأوردت بعضا من الأناشيد التي ترددها النسوة في استقبال الحجاج ومنها “يا زبيب عَ قضامة.. يا زبيب ع قضامة.. وحجاج بيت الله رجعوا بالسلامة”.

و”التحنين” هو الغناء الحزين الذي يفيض بالشوق والحنين إلى الكعبة وقبر الرسول، ويُنشد في وداع الحجيج، وهو بإيقاعه البطيء والشجي يتناسب مع جلال المناسبة ومهابتها. ويمكن تقسيمه إلى قسمين: تحنين الذهاب وتحنين الإياب، وهما بذلك يتمتعان بصفات وخصائص مميزة، فتحنين الذهاب يكون مشربا بالحزن والحنين إلى الكعبة، وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيارة الديار المقدسة.

ومصدر الحزن هنا هو الوداع الصعب، وغالبا ما كانت تتجمع النسوة في بيوت الحجاج ويجلسن في صفين متقابلين أو يأخذن شكلا شبه دائري، ويرد كل فريق منهن على الآخر.

ومما يقال في البداية مشبع بالحنين وندي بكثير من الدموع “طاب الحنين.. حننوا حننوا.. ترجعوا سالمين يا أصحاب النبي.. ترجعوا سالمين”، و”خذونا معاكم إن نويتوا السفر.. خذونا معاكم ما نصبر بلاكم يا أصحاب النبي.. ما نطيق الفراق ما نصبر بلاكم”.

وبعد البداية التي تعبر عن السفر والرحلة الطويلة التي تعني فراقا قد يكون إلى الأبد، تبدأ النسوة بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وترديد إشارات لبعض وقائع الهجرة النبوية.

ومن أبرز الأناشيد في التحنين “ناموا ناموا عيني ما تنام.. على بير زمزم نصبوا الخيام.. على بير زمزم خيمت الأعلام”.

بنفس بطيء يستمر هذا الطقس الغنائي النسائي ثلاثة أيام متواصلة.

20