التحولات الإقليمية تعصف بعلاقات القاهرة مع حماس وفتح

حركتا فتح أو حماس لن تستطيعا تحمل تبعات الصدام مع مصر التي لديها الكثير من الأدوات للضغط على كل منهما خصوصا بعد اتجاه الحركتين نحو تركيا.
الخميس 2020/09/24
تباعد سياسي

القاهرة- تشهد العلاقة بين مصر وحركتي فتح وحماس فتورا، وهذه من المرات النادرة التي تتأزم فيها علاقة القاهرة بالفصيلين الفلسطينيين في الآن ذاته، إذ لطالما حافظت على روابط قوية لاسيما مع فتح، ولم تسمح بتجاوزات من هنا أو هناك تؤثر عليهما، بحكم اهتمامها الكبير بالقضية الفلسطينية، وتأثيراتها المتشعبة على أمنها القومي.

وأدى اتجاه الحركتين نحو تركيا أخيرا، وعقد اجتماع بين وفدين يمثلانهما هناك، الثلاثاء، إلى تكريس هذا الفتور.

وحرصت القاهرة دوما على أن تحتفظ بالورقتين معا أو بإحداهما، ما جعلها قاسما مشتركا في غالبية حوارات المصالحة الوطنية، والتهدئة مع إسرائيل، ومفاوضات السلام، ولم تبرح جزءا كبيرا من حركات وسكنات القضية الفلسطينية.

ويقول مراقبون، إن القاهرة غير قلقة من توجهات فتح نحو إسطنبول، فهي في النهاية ذهبت لأسباب تكتيكية، لأن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، لن يستطيعا تحمل التكاليف السياسية الباهظة المطلوبة منهما.

وإذا قررت فتح الانحياز نحو محور تركيا وقطر وإيران، فهو يعني خسارة دعم أكثر من نصف الدول العربية، وتصبح الحركة دون امتداد وعمق وغطاء عربي.

فلسطين

ويعكس حوار إسطنبول حيرة وارتباكا في فتح، ودخولها في لعبة مناورات قاسية، لها أهداف متشابكة تتعلق بأوضاعها التي تشهد انقسامات حادة، وعلاقتها بحماس والملفات الشائكة معها، والتطورات الإقليمية المتسارعة على مستوى توقيع اتفاقيات سلام عربية مع إسرائيل.

وطلب محمود عباس، من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في اتصال هاتفي، الاثنين، دعم التوجه الفلسطيني لتحقيق المصالحة الداخلية والذهاب إلى الانتخابات، وأطلعه على تفاصيل ما جرى في اجتماع أمناء الفصائل الشهر مؤخرا.

هناك ادراك بأن غضب فتح جاء لخشيتها من زيادة عدم اكتراث القاهرة بها، وميلها إلى عدم الانشغال بخلافاتها عموما، فتحاول أن توحي بوجود حلفاء محتملين، أو توصل رسالة لمصر بضرورة التفاهم معها قبل أن تذهب الحركة بعيدا، فالثوابت يمكن أن تتغير، وقد تفرض استدارات سياسية، ومن ثم تحالفات جديدة.

وتتعامل القاهرة مع حماس على أنها حركة إخوانية بإمتياز، وتقبل الحوار معها لأسباب تتعلق بتقديراتها للقضية الفلسطينية، وتأثيرها على الأمن القومي، بعد سيطرة الحركة على قطاع غزة، بالتالي فميلها نحو تركيا دوافعه معروفة.

تعمدت الجهات الرسمية في مصر تجاهل الحوارات بين الحركتين، سواء في لبنان أو تركيا، ولم تعلق سلبا أو إيجابا على زيارتي إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس للبلدين، مع أنها أبلغته وقت خروجه من غزة منذ أشهر، بعدم رضاها عن جولته لكل من إيران ولبنان، لكنه أصر وقام باتمام زيارة للبلدين.

وامتصت القاهرة زيارة طهران لتقديم واجب العزاء في وفاة رئيس الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وحاولت احتواء آثار زيارة هنية للمخيمات الفلسطينية في لبنان، لأنها لا تريد أن تصل العلاقة لمستوى القطيعة.

وهنا تجد حماس مبررات كافية للإرتماء تماما في أحضان قطر وحلفائها، بعد أن أحرزت الدوحة هدفا في مرمى القاهرة، بنجاح وساطتها في العودة إلى التهدئة، وهو الملف الذي احتكرته مصر طويلا.

منذ فشل الوساطة المصرية في إنهاء الجولة الأخيرة من التصعيد بين حماس وإسرائيل، بدت القاهرة غير مرتاحة للتحركات السافرة التي قامت بها الحركة مع كل من قطر وتركيا وإيران، وأخفقت في ترطيب الأجواء معها، لأن حماس تريد توظيف الأجواء الحالية لصالحها بانتهازية شديدة، والحصول على مساحة أكبر للابتعاد عن مصر، وما تمثله من معاني سياسية في سياق محور الاعتدال العربي.

وصبت وسائل إعلام مصرية غضبها خلال الأيام الماضية على حماس، وكالت لها اتهامات عدة، ما يشي بأن هناك رسالة سياسية على الحركة أن تستوعبها، وهي عدم رضاء القاهرة عن تحركاتها، بينما لم تواجه فتح بنفس الدرجة من الانتقادات.

حاولت حماس الإيحاء بأن الهجوم عليها جاء بغرض حرص القاهرة على الاستئثار بملف الوساطة، وروجت معلومات خاطئة بشأن تبني مصر “موقف الاحتلال الإسرائيلي” في الدور الذي تقوم به للحفاظ على التهدئة.

فلسطين

وأكد رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، سمير غطاس، أن حماس تسعى إلى سحب أوراق الوساطة من يد القاهرة، ونقلها كليا إلى الدوحة، لتصبح الوسيط الأول بينها وبين إسرائيل، كذلك الأمر في علاقتها بحركة فتح، فهي تريد وضع ملف المصالحة في عهدة تركيا، مستغلة أزمات فتح.

وأوضح لـ”العرب”، أن حماس تولي اهتماماً أكبر بصفقة تبادل الأسرى، وهناك خلافات تشتعل بين تيارات عديدة داخلها قبل إجراء الانتخابات الداخلية، لذلك تريد قيادتها السياسية كسب الوقت عبر اجتماعات إسطنبول، التي لن تتماشى رؤية تركيا مع سعى السلطة الفلسطينية لتجديد شرعيات الرئاسة والبرلمان.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني المقرب من حركة حماس، مصطفى الصواف، لـ”العرب”، إن التدخل التركي في القضية الفلسطينية لا يعني فشل الدور المصري، بل يأتي استكمالاً للجهود السابقة، وأن “الحركتين بحاجة للكل ولا تستغني القضية عن أحد طالما يسعى لتحقيق الوحدة، وهي مطلب الجميع وبحاجة للجميع”.

ويشير متابعون، إلى أن فتح أو حماس لن تستطيعا تحمل تبعات الصدام مع مصر، التي لديها الكثير من الأدوات للضغط على كل منهما، كما أن القاهرة لن تفرط فيهما خوفا من ذهاب الحركتين أكثر للارتماء في أحضان خصومها.

ويؤكد المتابعون، أن القضية الفلسطينية فقدت جانبا كبيرا من بريقها الاستراتيجي في المنطقة، ولم تعد القضية المركزية الوحيدة في تحركات القاهرة، كما كانت على مدار سبعين عاما، ففي ظل تشعب التحديات الإقليمية، وارتفاع مستوى التهديدات التي تحيط بمصر، تأتي هذه القضية في مرتبة تالية.

2