التحولات الجيوسياسية محدد فاعل في مسار الثورة السورية

الجمعة 2014/08/08
عناق مصالح بين إيران وتركيا على حساب استقرار المنطقة وأمنها

القاهرة – لا يمكن التطرّق إلى دراسة التطورات الحاصلة في سوريا منذ ثلاث سنوات ونيف، والتغيرات الحاصلة في المنطقة العربية ككل بمعزل عن التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، نتيجة لصعود قوى على حساب أخرى أو تشابك الأدوار وارتباط المصالح بين الفاعلين المُحتملين في المنطقة. وفي هذا الإطار يعرض الباحث مازن هاشم، في دراسة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أبعاد هذه التحولات، في علاقة بالجانبين الإيراني والتركي، ومدى تأثيرها وتأثّرها بالشأن السوري وبـ”المدّ الثوري” الذي تعيشه المنطقة العربية ككل.

تسببت قوة الزلزال الشامي، الذي هو جزء من “الثورة العربية الكبرى” في القرن الهجري الخامس عشر، وامتداد موجاته في إحداث تغييرات في مركز الزلزال في سوريا وتغييرات في التوازنات الإقليمية للدول المجاورة والمرتبطة بها تاريخيا. وسببت هذه التغيرات الإقليمية بدورها إعادة توزيع بعض الأدوار على المستوى العالمي.

ولذلك أضحت مسارات الثورة السورية مرتبطة بالمسارات الإقليمية والدولية، ارتباطا تبادليا يؤثر ويتأثر بها. وفي ما يلي مناقشة للديناميات الرئيسية التي تسير وفقها المنطقة، وهي حركيّات مُركّبة مُعقّدة تحوي أضدادها ولا تسير فوق خط مستقيم باتّجاه واحد.


تآكل المحاور وتطوّرها


لقد فَقَدَ ما كان يُدعى بـ”محور الممانعة” (سوريا وإيران + حزب الله) معناه على الصعيدين العملي والأيديولوجي. فبشار الأسد، مدّعي الممانعة، أضحى يدمّر كل ما من شأنه أن يساعد على الممانعة، وها هو يحيل سوريا إلى قفار أنهكته الجراح. وإيران التي تدّعي الوقوف ضدّ الإمبريالية، هي الآن تتابع التنسيق معه ضدّ من يحاول الانعتاق من ذيول الاستعمار. ولذلك فإنه خليقٌ أن يسمى هذا المحور بـ “محور المساومة”، لأنّه أصبح يساوم على ثمن توظيفه وكيلَ أعمال لـ”الشيطان الأكبر”(الولايات المتحدة الأميركية)، ويدفع أكثر من عربون واحد من أجل هذا الغرض.

ويحوي تآكل هذا المحور أضداده؛ ارتياح عالمي له وتخوّف منه في آن. وهي عوامل تسارع في اكتمال تآكله وأخرى تسعى إلى تأخير انهياره ريثما تنضج البدائل. وعوامل داخلية تحاول اعتصار ما بقي من وظائفه، وأخرى تسارع في تفتّته لكي تنجو أجزاء منه ويُعاد توظيفها.

غيث الثورة السورية لم يستطع إطفاء النار الإيرانية إلا أنه فوت على إيران فرصة التمكن المستقر على شاطئ المتوسط

ترافق تآكل هذا المحور مع تنامي محور جديد تقوده تركيا، ويعتمد هذا المحور مدافعة القوى الدولية وفق الموازنة والمفاضلة بين عدد من المصالح. فلا يتصدى للقوى الدولية، بل يعيد صياغة ارتباطاته معها ببطء وحذر وفق مصالحه الضيقة، ويسعى تدريجيا إلى إنشاء روابط جديدة، بديلة عن تلك التي خسرها.

لذلك فإنه من الخطأ الكبير الظن أنه يمكن أن تجري السياسات في المستقبل القريب وفق المنحى القديم المعتاد، بل إنّ المرحلة القادمة ستحمل معها واقعا جديدا تتغيّر فيه التموضعات العالمية، وتتغيّر معه الأوزان في المنظومة الدولية.


الصعود الإيراني التفتيتي


تبنّت إيران منذ نجاح “ثورتها” ضد الشاه في 1979 “مشروع نهضة وطنية”، حسب خطابها الرسمي، وبغضّ النظر عما يمكن أن يُقال حولها من ناحية توجّهها المذهبي المُعلن أو نعرتها القومية أو موقفها اللاأخلاقي من الثورة السورية، ليس ثمة خلاف، فمن ناحية الأسباب الموضوعية تابعت إيران خطاها في مشروعها بعزيمة واستمرارية. كما لم تُثنها النتائج الكارثية للحرب العراقية- الإيرانية عن متابعة المسير، بل دعتها إلى توسيع خطّتها في اتجاهين: اتجاه التصنيع الحربي، واتجاه التبشير الشيعي.

تستطيع إيران التي تتمتّع بمخزون نفطي وغازي يحقق لها فوائض مالية، أن تخصص هذه الأموال لمشاريع معينة، في حين تترك الحركة الاقتصادية لشعبها كي يتدبّر الحياة المعيشية. ولا يعني هذا أنّ هذه السياسة الاقتصادية الإيرانية صائبة، وإنّما مكّنها المال والتخطيط من الاعتماد على النفس. وقد عانت إيران من حصار ومقاطعة استطاعت الالتفاف عليهما إلى حدود الآونة الأخيرة، إلى أن أوصلها طمعُها والتدخل في الثورة السورية إلى لحظة يأس واضطرار إلى التراجع وتغيير الدور.

لم يكن العامل الاقتصادي إلاّ عامل تيسير للمشاريع، أمّا العامل الحاسم فكان التمكّن السياسي للحُكم الإيراني الممسك بشدة بكل مؤسسات الدولة: و”هو ما تحتاجه الدول الفتية عند ابتداء نهضتها”، حسب ما أفادت به الدراسة. وقد قام هذا التمكّن السياسي على أساس ديني.

وتشير الدراسة إلى أنّ النظام الإيراني الحاكم كان قد طهّر الجيش وقوى الاستخبارات من نفوذ رجال الشاه بعد “نجاح الثورة الإيرانية”، ولم يقف عند ذلك بل بنى جسما أمنيا خاصا بسلطة النخبة الدينية، ألا وهو الحرس الثوري. وليس معنى هذا أنّ الإمساك الشديد بكل مرافق الحُكم ليس له أثر سلبي، فقد عجزت محاولة الإصلاح من داخل المؤسسة، ثم فشلت الثورة الإصلاحية التي أخمدها النظام الإيراني بقسوة بالغة.

هكذا اجتمع لإيران تمكّن سياسي داخلي بالغ، وموارد اقتصادية فائضة تضاعفت مع ارتفاع سعر الطاقة، وعقدة دينية قومية وظّفها النظام لتركيز مشروعه في محاولة للصعود الإقليمي. واستغلّت إيران في ذلك الشرخ الأكبر في تاريخ المسلمين، وحوّلت أكثر المجتمعات الشيعية التي تسكن البلدان التي تحوي أكثريّة سنيّة إلى بؤر مساندة لسياساتها وظهورها. وإلى جانب فرق الولاء المذهبي وما استطاعت أن تشتريه من ذمم، أنشأت إيران أو تعاقدت مع جماعات إجرامية في أنحاء العالم تستعملها للضغط الآني في مراوغات السياسة الدولية.

من جهة أخرى، استغلت إيران الورطة الأميركية في العراق، وكانت قد تعاونت معها في أفغانستان، وتابعت خطاها في إعادة مجد إمبراطورية شيعية فارسية، مستغلّة الغياب العربي وترهّل سياساته، ووقوع بعض الأنظمة في قبضة ديكتاتوريات ليس لها مشروع وطني، أو أدنى التزام بأولوياته، من ذلك ارتماء النظام السوري المأزوم في الحضن الإيراني.

ثم اشتعل ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، فهدّد الانفراد الإيراني، ومثّلت الثورة السورية على وجه الخصوص أكبر تهديد للنفوذ الإيراني في المشرق العربي. فنزلت طهران بكل ثقلها لدعم نظام مجرم معاد لفكرة الدين، أملا في الحفاظ على تدعيم موقعها الجيوسياسي. وتسبّب هذا الدعم غير المشروط، وكذلك الزجّ بميليشيتها اللبنانية في معركة غير مضمونة النتائج- الأمر الذي تزامن مع زيادة المحاصرة الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضدّها- بعسر اقتصادي في إيران وعجز عن متابعة المشاريع العسكرية والنووية واضطرار إلى التراجع.

التحول الأخير للسياسة التركية تجاه الثورة السورية من موقع المبادر إلى موقع المدافع ضرورة استراتيجية

كان من نتائج دعم النظام السوري ضد “ثورة كرامة ذات روح مسالمة”، السقوط المدوّي للدعاوى المذهبية لإيران، ولهذا أهمية سياسية عملية، إذ حوّلت المواقف الحيادية تجاهها إلى مواقف سلبية. واضطرت إيران إلى أن تخضع مشروعها النووي للمساومة، وإن كانت ما زالت تحاول التراجع فيه قليلا أو كثيرا من أجل شرعنته، مستغلة في ذلك الورطات الداخلية التي تحلّ أحيانا بالولايات المتحدة الأميركية أو بدول أوروبا الغربية.

هكذا قبلت إيران أن تكون وكيل أعمال جديدا للقوى العالمية، يقوم بتفتيت التماسك الاجتماعي في المحيطين العربي والعجمي المجاورين لها. وسوف تحاول لعب أدوارها الجديدة بتفان كامل، ولعل أول ما سيُسند إليها هو محاربة (الإرهاب السنّي). ورغم أنّ غيث الثورة السورية لم يستطع إطفاء النار الإيرانية، إلاّ أنّه على الأقل فوّت على إيران فرصة التمكّن المستقرّ على شاطئ المتوسط، فلن يكون وجودها فيه بعد الآن إلاّ وجودا قابلا للاستنزاف ومعرضا للتهديد.


تركيا وسياسات التوازن الحرج


إن السلوك التركي هو من أهم العوامل الإقليمية المؤثرة في الثورة السورية. ورغم أنها لا تتدخل في الشأن السوري على النحو الإيراني المُعلن، إلاّ أن هذا عائد لطبيعة النظام التركي وليس لقلّة اهتمامه بسوريا أو أنه غير قلق بشأنها. فالمهمة التي تتبنّاها إيران تتضمّن بناء جسم سياسي تابع مركزيا لطهران عبر سيطرة مجموعات أيديولوجية شيعية على الأطراف المحيطة، في حين أنّ مُهمّة أنقرة تشكّلت على نحو صيغة تكامل سياسي اقتصادي مرن.

غير أنّ السياسة التركية مقيّدة بكثير من المعوّقات التي تحول دون مشاركتها المباشرة على نحو مادي في الثورة، ولذلك لم تقدّم تركيا السلاح للثورة، وإنما اكتفت بتسهيل مرور ذلك- وبالقدر الذي تسمح به المعادلة الدولية- إلى جانب الدعم السياسي الكامل واحتضان القوى السياسية للثورة السورية. ويأتي على رأس القيود الّتي تواجهها تركيا عدم التمكّن السياسي المطلق لحزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث أن نظامها السياسي مكشوف على تقلّبات المزاج العام، وهو يخشى من عواقب الانغماس في مستنقع لا تقوى عليه دول عظمى، فما بالك بدولة لم تترسّخ بعدُ أسس نهضتها.

وزيادة على ذلك، ثمة في تركيا كتلة شعبية كبيرة تبلغ حوالي ثلث الناخبين ذات هوى قومي أو يساري ممن هم ضدّ توجهات الحزب الحاكم، بالإضافة إلى وجود ليبراليين لا يستسيغون برامج حزب العدالة والتنمية. وصحيح أن قدرة هذه الكتلة على التحريك الشعبي محدودة، كما أظهرت أحداث حديقة غِزي التي قمعها النظام بوحشية كبيرة، إلاّ أنّ هذا التوجه يتلقى الدعم العالمي سياسيا وإعلاميا، كما يتقاطع مع التوجّه الجديد للعلويين التُرك. وفعلا فقد شارك العلويون في أحداث الحديقة بأعداد كبيرة.

ويشكّل العلويون نحو عُشر سكان تركيا، ويدعمون حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي، وأكثر ما تخشاه أنقرة أن تقوم سياساتها تجاه الثورة السورية بتفعيل هذه الكتلة سياسيا. أما العلويون النصيريون التُرك، ذوو الأصول العربية في لواء اسكندرون، فهم يؤيّدون النظام السوري قولا وأحيانا فعلا.
إيران قبلت أن تكون وكيل أعمال جديدا للقوى العالمية، يقوم بتفتيت التماسك الاجتماعي في محيطها العربي والعجمي

من جهة أخرى، تشكل المسألة الكردية العامل الأثقل في سياسة تركيا. ولم يكن هنالك من حلّ آخر أمام أنقرة سوى محاولة تسكين هذه المشكلة قبل الانغماس في القضية السورية.

إنّ سياسات تركيا مقيدة من ناحية احتياجاتها للطاقة، فهي بلد فقير من حيث الموارد الطاقيّة، وتزداد حاجتها يوما بعد يوم بسبب النّمو الاقتصادي الذي تشهده، وهي في ذلك معتمدة على مصدرين أساسيين: روسيا وإيران. فهل من قيد تواجهه تركيا في تعاملها مع المسألة السورية أكثر إشكالا من هذا القيد؟

لقد كان التحوّل الأخير للسياسة التركية تجاه الثورة السورية من موقع المبادر إلى موقع المدافع ضرورة استراتيجية فرضها ارتهانها الطاقيّ لكلّ من إيران وروسيا. فبعد أن تخلّت الولايات المتحدة عن ضربة وعدت بها- وأعلنت تركيا مساندتها- وعقدت صفقة الكيميائي التي مدّدت عمر النظام السوري، ثم بدأت بالتفاوض حول نووي إيران، كان لابدّ لتركيا، أن تعدّل سياساتها قبل أن ينقلب فوات فرصة زيادة التمكّن الإقليمي إلى تراجع كبير يمكن أن يزلزل أسس القيام التركي. فلا يمكن للموقف التركي أن يكون معاكسا في آن للمواقف الأميركية والأوروبية والروسية والإقليمية بما في ذلك العربية، ولم يعد بإمكان تركيا متابعة سياستها الخارجية السابقة.

هكذا تفلّت من يد الثورة السورية دعم آخر، بكيد أجنبي وعدم نضج في سلوك أطراف الثورة، وأنانية بعض السياسيين الإسلاميين واعتباطية تحركهم، وهياج العمل المسلّح، وفوضى العمل الشعبي في الداخل، إلى جانب تغيرات خطيرة بسبب دخول الميلشيات الإرهابية العابرة للحدود إلى الأرض السورية، تلك القوى المتطرفة التي يسهل توظيفها، إضافة إلى انتهاز الحزب الكردي المسلّح الفرصة ليعمّق نفوذه. غير أنّ الأهمية الإستراتيجية لسوريا وثورتها باقية بالنسبة إلى تركيا، وللسجال التفاوضي بين تركيا وإيران تبعات لا يمكن التغاضي عنها على المستقبل السوري.

بهذا يخلص مازن هاشم إلى أنّه لا يمكن التعامل السليم مع تطورات “الثورات العربية” بفصائلها القُطْرية المختلفة، وخاصّة سوريا، إلاّ مع اعتبار التغيّرات الجيوسياسية التي تمرّبها المنطقة ككلّ. وبطبيعة الحال تدخل في هذه التغيرات ديناميات عالمية وإقليمية متشابكة.

7