التحول المصري من: ماذا حدث ولماذا إلى كيف

ماذا ولماذا استغرقت وقتا أكثر من اللازم وحان وقت مغادرة المكانة الضيقة والانطلاق لفضاء أرحب يتناسب مع القدرات الكبيرة التي تملكها الدولة المصرية.
الاثنين 2021/07/26
لقيادة الإقليم لا بد من امتلاك مروحة من التصورات المسبقة

طرح بعض الخبراء فكرة الاستغراق المصري في التفاصيل، ومع أهميتها في تفسير بعض الجوانب الدقيقة، غير أنها لم تحظ بنصيب مستحق من المناقشة العامة. وكان أول من لفت إليها الصديق والخبير السياسي المصري أيمن عبدالوهاب، حيث نبه إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالسؤال عمّاذا ولماذا حدث في كثير من القضايا الإقليمية، وإيجاد وسيلة للبحث عن إجابة شافية لـ”كيف تؤثر القاهرة في محيطها؟”.

تشعر شريحة كبيرة من النخبة المصرية أن بلدهم يستحق ما هو أكبر من الاستفسار عن التساؤلات الطبيعية التي ينتهي مفعولها بحكم سرعة دوران الأحداث في المنطقة، ولأن الانشغال بهذا النوع لا يؤدي إلى دور كبير للدولة المصرية وفقا لرغبات قيادتها، فالوقوع في أسر الكثير من التفاصيل المتعلقة بالتطورات لن يكون مهمّا ما لم تتم الاستفادة منه في تقديم رؤية للمستقبل.

نجحت مصر في حالة فريدة من نوعها عندما انخرطت في ملف شرق البحر المتوسط وقبضت على جزء معتبر من دفتيه الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية أخذتها في الحسبان وراكمت لها قوة عسكرية بحرية نوعية لضمان حماية رؤيتها التي انجذبت لها دول عديدة في المنطقة، فعندما امتلكت المعلومات والرؤية الاستراتيجية وقبضت على زمام المبادرة أحرزت مجموعة من الأهداف في آن واحد.

أدى هذا الطريق إلى بحث دول أخرى في الإقليم عن وسيلة لتشارك في منظومة شرق المتوسط التي لعبت فيها القاهرة دورا كبيرا، وكانت هذه واحدة من أسباب عدة دفعت تركيا للتفكير في الكف عن التناحر مع مصر والبحث عن وسيلة للتقارب معها.

يقود التحليل العكسي، افتراض أن قامت تركيا أو غيرها بقيادة الدفة في شرق المتوسط وانشغلت مصر بطرح سؤالي ماذا حدث ولماذا، وقتها كانت ستعاني من متاعب كثيرة ليكون لها دور في اللعبة، وقد تمتد تداعياتها بما يفوق الشق الاقتصادي، فمن يفكر في رسم تصوراته ويطبقها تكون له غلبة واضحة في الإجراءات اللاحقة.

يبدو التعامل المصري في شرق المتوسط نموذجا جيدا ويصلح القياس عليه في بعض الأزمات الإقليمية، ولو اختلفت الدرجة، ففي النهاية الحصيلة ستكون متقاربة، فالمعيار المركزي هنا الطموح والقدرة على تحويله إلى فعل حقيقي.

التعامل المصري في شرق المتوسط نموذج يصلح القياس عليه في بعض الأزمات الإقليمية ولو اختلفت الدرجة، ففي النهاية الحصيلة ستكون متقاربة والمعيار المركزي هنا الطموح والقدرة على تحويله إلى فعل حقيقي

دخلت مصر على خط الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة بديناميكية لافتة، لكنها جاءت مقيدة بطريقة ماذا ولماذا، واقتربت من كيف إلا أن التطورات مضت بصورة سريعة لم تمكنها من فرض رؤيتها التي بدت خالية من الجاهزية التامة، ولذلك ظهرت الأسئلة الثلاثة (ماذا ولماذا وكيف) مربوطة في حلقة واحدة لم يسبق العمل عليها، مع أن ثمة مقدمات توقعت حدوث هذه الحرب منذ بضعة أشهر.

قد يكون القياس هنا مخلا في نظر البعض، غير أن التدقيق فيه يبدد أوجه الخلل الظاهر في تفكير هؤلاء، لأن مصر أكثر الدول انخراطا في القضية الفلسطينية وتمثل ركيزة أساسية في أمنها القومي، بالتالي من الضروري أن تحتفظ لنفسها برؤية بعيدة، ولن تكون التعقيدات التي تحيط بها فلسطينيا وإسرائيليا وإقليميا ودوليا مبررا كافيا للعزوف عن الاحتفاظ بإجابة للآلية الواجب اتباعها عند طرح السؤال كيف.

باتت الفرصة التي ظهرت ملامحها القوية في مهب الريح، لأن القاهرة أمضت وقتا طويلا في تفسير أسباب عزوف القوى الفلسطينية عن المصالحة واستمرار الانقسام، وتوزيع الحصص والحقائب في حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة، والجهة المسؤولة عن إدارة عملية إعادة إعمار غزة، كذلك التوازنات المطلوبة لمنع تفوق حماس على فتح، ومكانة السلطة الوطنية في المعادلة الجديدة.

تمخّض التوقف عند هذه التفاصيل عن تقويض واحدة من الفرص أمام مصر لاسترداد دورها الكبير في القضية الفلسطينية، وضرب عدة عصافير إقليمية بهذا الحجر، لأنها لم تمتلك المحددات اللازمة لإدارة ملف من المفترض أن تكون مستعدة له جيدا، ولديها حزمة أفكار جاهزة لتدشينها في هذه الحالة لخبرتها التاريخية التي تمكّنها من وضع رؤية عملية صائبة، فلا تزال تملك الكثير من مفاتيح الحل والعقد.

تقترب الصورة أكثر في الأزمة الليبية التي تعرف مصر كل كبيرة وصغيرة فيها، وبحوزتها معلومات وبيانات عن الكثير من التطورات في البر والبحر والجو، وكل ذلك وقع في براثن العقدة الرئيسية ماذا ولماذا، ولو اصطحب ذلك معه كيف كانت القاهرة قد امتلكت ناصية الكثير من الأمور.

استثمرت تركيا انشغال مصر بالتفاصيل الرئيسة والهامشية وبادرت بالتدخل المعروف عبر أدوات وترتيبات ومؤامرات مختلفة، وأوجدت أمرا واقعا دعا الكثير من القوى الإقليمية والدولية للبحث عن فك شفراتها من خلال مساومات مكنت أنقرة من الانفتاح على قوى كبرى متصارعة والدخول مع بعضها في صفقات سرية.

ليس المقصود أن تحل مصر محل تركيا في التدخل السافر والمساومة والصفقات، لكن كانت تستطيع أن تخلق لنفسها دورا أكبر مما هو حاصل الآن، وبشكل يتواءم مع طموحات الدور الإقليمي ومقتضياته، والذي لن يتسع أو يحدث أثرا في المنطقة مع استمرار سياسات ماذا ولماذا وما تفرضه من قيود في الحركة، وانتظار أفعال الآخرين ثم الرد عليهم بالطريقة التي تتناسب مع حسابات اللحظة.

تكرر الموقف نفسه تقريبا بعناوين عريضة متشابهة في إدارة أزمة سد النهضة الإثيوبي، فقد جرى الاستغراق في ماذا ولماذا والملحقات المرافقة لهما كثيرا، وكانت النتيجة مُضيّ نحو عشر سنوات لم تحقق فيها مصر الأهداف التي شغلتها وفي مقدمتها توقيع اتفاق مُلزم مع أديس أبابا.

تعبّر السنوات الماضية وحتى الإعلان عن الملء الثاني لخزان السد بأي نسبة قبل أيام عن مرحلة مهمة في التعاطي مع الأزمة، وتعبّر الفترة التالية عن مرحلة أخرى أكثر أهمية تستطيع فيها مصر التحلل من تعقيدات ماذا ولماذا، وتشرع في وضع السؤال كيف على طاولتها وضمن أولوياتها.

يعد ذلك من الاختبارات الأساسية لإيجاد حل فني لأزمة السد، والتمهيد لدور قوى لمصر على المستوى الإقليمي، فقد أفضت توجهات ماذا ولماذا والتفاصيل المتفرعة عنهما إلى فرض قيود على تحركات القاهرة التي بدت محكومة بإجابات سلبية وصلت إليها ومخاوف مبالغ فيها.

يتحتم على الدولة التي تريد أن تكون لها حظوظ في قيادة الإقليم أن تمتلك مروحة من التصورات المسبقة الخاصة بالكيفية التي تساعدها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، لأن ماذا ولماذا استغرقت وقتا أكثر من اللازم وحان وقت مغادرة المكانة الضيقة والانطلاق لفضاء أرحب يتناسب مع القدرات الكبيرة التي تملكها الدولة المصرية.

08