التحول شرقا: النظام الإيراني يهرب من أزماته بمفردات من الحرب الباردة

النظام الإيراني لم يستخلص الدرس من التحركات الاحتجاجية التي هزت البلاد ويواصل في سياساته الرعناء بالتدخل في شؤون دول أخرى والتشجيع على الفوضى في المنطقة .
الثلاثاء 2018/02/27
نحن حلفاء لكن بحدود

طهران - أعطى المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي، إشارات لتحوّل حاسم في دفة العلاقات شرقا نحو الصين وروسيا، في موقف أثار الاستغراب لأنه يتعارض مع أبرز الشعارات التي نادت ثورة عام 1979 الإسلامية: “لا شرق ولا غرب”.

كان هذا التعهد يعني أن طهران لن تفاضل بين قطبي العالم آنذاك، الولايات المتحدة الرأسمالية أو الاتحاد السوفييتي الشيوعي، وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ظلت هذه السياسة قائمة في جزء كبير منها، إلى أن أعلن خامنئي، صراحة، في 19 فبراير 2018، “في السياسة الخارجية، أولوياتنا اليوم تتضمن تفضيل الشرق على الغرب”.

وتؤكد أوساط سياسية إيرانية مراقبة أن تهديد النظام السياسي الإيراني بالذهاب شرقا في خياراته الإستراتيجية بديلا عن التقارب من الغرب يكشف عقما في اجتراح حلول تنهي المأزق الذي تعيشه إيران في علاقاتها مع دول العالم، وإن لا يمكن اعتبار تصريح خامنئي يشي بتغيير في الفكرة الأساسية بأن إيران ترفض الوقوع تحت تأثير القوى الخارجية.

وكان لافتا أن التوجّهات التي أوحى بها خامنئي بشأن دفع العلاقات شرقا نحو الصين وروسيا، تؤسس لخطاب قديم يقطع مع نظرية الطريق الثالث الذي افتخرت “الثورة الإسلامية” بانتهاجه، كما تلوّح بتراجع تعويل التيار المحافظ على إمكانية فتح ثغرة في العلاقات الإيرانية الأوروبية، في الوقت المنظور على الأقل.

وتدرك القيادة السياسية في إيران تماما أن تهديد المرشد الأعلى بالخيار الشرقي لا يُرهب الغرب ولا يمسّ الثوابت الأميركية والأوروبية في شروط تطبيع العلاقات مع إيران، وأن خطاب خامنئي موجّه إلى الداخل وللاستهلاك المحلّي في محاولة للإيحاء للإيرانيين أن طهران تملك أوراقا بديلة عن علاقاتها مع العالم الغربي.

ويسخر مراقبون مما يصفونه بالابتزاز الذي يمارسه خامنئي في الدعوة إلى تطوير العلاقات مع روسيا والصين. ويقول هؤلاء إنه لا شيء يمنع إيران من تطوير علاقاتها مع أي منطقة في العالم حتى لو كانت العلاقات جيدة مع مناطق أخرى من هذا العالم، وإنه لا داعي لوضع ذلك في إطار الرد على الفتور الغربي في فتح العلاقات مع إيران.

ويرى خبراء في الشؤون الإيرانية يعتبرون أن خامنئي سقط في حمّى الاستقطاب واعترف بأن بلاده لا تستطيع إلاّ أن تكون دولة تابعة لأحد الأقطاب الكبرى في العالم.

وفيما يسعى المدافعون إلى وضع تحوّلات خامنئي في إطار الاستمرار في السعي لعدم الخضوع لتأثير القوى الخارجية، بات المرشد الأعلى مدركا لاستحالة أن تكون بلاده خارج أجندات القوى الكبرى.

وتأتي تصريحات خامنئي في مرحلة حساسة وسط تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمزيق الاتفاق وإعادة فرض عقوبات ما لم توافق إيران على الحدّ من برنامجها الصاروخي و”أنشطتها المزعزعة للاستقرار” في الشرق الأوسط.

خطاب خامنئي موجه إلى الداخل في محاولة للإيحاء للإيرانيين أن طهران تملك أوراقا بديلة عن علاقاتها مع العالم الغربي

وتقول ايللي جيرانمايه، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن “خامنئي حدد بشكل متكرر أن الاتفاق النووي كان اختبارا لمعرفة ما إذا كانت المفاوضات مع الغرب يمكن أن يثمر عن نتائج ايجابية بالنسبة لإيران”.

ويشير الخبراء إلى أن خامنئي أدرك جيدا أن هذه الاختبار كان فاشلا وأن العالم الغربي بات أقرب إلى وجهة نظر ترامب في شأن الاتفاق النووي، كما في شأن الملفات الإيرانية الأخرى.

والظاهر أن خطاب ترامب لم يختلف في الحقيقة عن خطاب الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما. وتؤكد مصادر أميركية في هذا الصدد أن العقوبات الأميركية مذاك بقيت تستثمر في عرقلة العلاقات المصرفية والاستثمارات الأجنبية وتمنع حتى الشركات التكنولوجية الإيرانية الناشئة من مشاركة منتجاتها في أسواق التطبيقات.

وقال المحلل السياسي في جامعة طهران محمد مارندي “من اليوم الأول، بدأت الولايات المتحدة وإدارة (الرئيس السابق باراك) أوباما بانتهاك نص وروح الاتفاق”. وأوضح أن تصريح خامنئي الأخير اعتراف بحقيقة بسيطة مفادها أن العلاقات مع دول الشرق أقوى بكثير، تحديدا في ظل التحالف بين إيران وروسيا في سوريا.

وقال “بات العالم مختلفا للغاية. علاقة إيران مع روسيا والصين وعدد متزايد من الدول الآسيوية أفضل بكثير من علاقتها بالغرب كونهم يعاملوننا بطريقة أفضل بكثير”، مضيفا “نحن شركاء مع روسيا في سوريا. لسنا تابعين لها”.

وتواجه إيران موقفا متصلبا من قبل واشنطن قد يؤدي إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران. وقد أعطى ترامب مهلة للشركاء الأوروبيين لتقوية هذا الاتفاق بإجراءات صارمة ومراقبة كما طالب بتدابير تقييدية تخص البرنامج الصاروخي قبل أن يقرر مصير الاتفاق النووي في مايو المقبل.

وعلى الرغم من إعلان الفرقاء الأوروبيين تمسكهم بالاتفاق النووي مع إيران، إلا أن المواقف الأخيرة الصادرة عن لندن وبرلين وباريس أجمعت على التعبير عن القلق من البرنامج الصاروخي ومن السلوك الإيراني في الشرق الأوسط على نحو يلاقي ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في سبتمبر الماضي في نيويورك على هامش قمة الأمم المتحدة، من أن الاتفاق النووي مع إيران “لم يعد كافيا”.

وتساءل باحثون في الشؤون الإيرانية عمّا منع إيران التي تجاهر في عدائها للغرب منذ قيام الجمهورية الإسلامية من تطوير علاقاتها مع هذا الشرق ليصبح بديلا كاملا يغنيها عن مفاوضات طويلة وشاقة للوصول إلى الاتفاق النووي المتعثر.

وتعلم طهران جيدا أن هذا الشرق، لا سيما روسيا والصين، لا يستطيع تطوير علاقاته معها إلى درجة تسمح لطهران بالاستغناء عن الغرب. كما أن روسيا والصين مجتمعتان لا تملكان إمكانية تأمين ما يؤمنه العالم الغربي من نفوذ عالمي في مجالات السياسية والأمن والاقتصاد والعسكر. وتمنع مصالح روسيا والصين مع العالم الغربي الدولتين من الذهاب بعيدا في علاقاتهما مع إيران طالما أن هذه الأخيرة تخضع لعقوبات دولية، لا سيما من قبل الولايات المتحدة. وأي تطوير متوخى مع الشرق لا بد وأن يمرّ من خلال تطبيع مع الغرب وليس تمرّدا عليه.

وفات إيران في تهديدات أن عالم اليوم ليس مرسوما، كما في أيام الحرب الباردة بين نفوذ شرقي يقوده الاتحاد السوفييتي والصين وعالم غربي تقوده الولايات المتحدة. اليوم، أصبحت العلاقات الدولية الاقتصادية متشابكة في ظل ظاهرة العولمة ومصالح الصين مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مثلا هي أعلى وأشمل بكثير من علاقات ثنائية تقيمها بكين أو موسكو مع طهران.

6