التحول من التعاون إلى الاتحاد ضرورة استراتيجية لدول الخليج

الأربعاء 2014/05/14
دول مجلس التعاون الخليجي أمامها اليوم فرصة لتأسيس تحالف أوسع

المنامة- تعاني خطوات مجلس التعاون نحو الاتحاد من غياب التنفيذ والتفعيل بصورة كاملة والسبب عائد، حسب دراسة لمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، إلى عدم وجود مؤسسة مركزية خليجية تمثل المصلحة المشتركة وتتميز بصلاحيات ملموسة لفرض قرارات تنفيذية على الدول الأعضاء ومحاسبة من يخالفها.

خلصت دراسة أجراها عمر العبيدلي، الباحث بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة “دراسات”، إلى أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية تغلب عليه صفة “التنسيق” أكثر من “التعاون” عندما يجري طرح وإقرار اتفاقية يعتمد تفعيلها على تنازل الدول الأعضاء عن مصلحتهم الخاصة لغرض تحقيق مصلحة جماعية، وهو ما قد يعرقل تفعيل الاتفاقية.

ومؤخرا، تصاعد الحديث عن مدى قوّة مجلس التعاون الخليجي كمنظّمة فاعلة ومؤثّرة، خصوصا بعد أزمة السفراء بين قطر من جهة والبحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. بالإضافة إلى الاتفاق النووي المؤقت بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، والذي زاد من التوتّر بين واشنطن والرياض المتأثّر أصلا بموقف الجانبين من الأحداث التي شهدتها مصر، خلال فترة حكم الإخوان وبعد انهياره، وأيضا بسبب الملف السوري.

كل هذه المؤثّرات دفعت المحللين والباحثين ومراكز الدراسات الاستراتيجية والبحثية، عربية وغربية، التي تهتم بواقع منظّمة مجلس التعاون الخليجي إلى إمكانيات تحوّله إلى اتحاد قويّ ومؤثّر، ووقع هذا التكامل الخليجي على كثير من الاتفاقيات الموقّعة بين دول المجلس ولم يجر تفعيلها.

من بين هذه الاتفاقيات، لفتت دراسة عمر العبيدلي الانتباه إلى الوحدة الجمركية غير المفعلة بعد عشر سنوات من إقرار هذه الاتفاقية وكذلك السوق المشتركة غير المفعلة، في حين تتركز إنجازات المجلس في المشاريع التي تقوم على تبادل المعلومات بطريقة منتظمة ولا تحتوي على أي تضارب في المصالح بين الدول مثل مشروع سكة الحديد. وكان وزراء المالية والاقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي أعلنوا في شهر مارس الماضي اعتماد نظام الاتحاد الجمركي العام القادم، تمهيدا لانطلاق تكتل اقتصادي خليجي.

البحث عن ترتيبات دفاعية أكثر تعاونا في مجلس التعاون من شأنه أن يسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها

ويعد الاتحاد الجمركي إحدى ركائز التكتل الاقتصادي الذي تطمح دول الخليج إلى إقامته في إطار التحول إلى اتحاد. أما العملة الخليجية الموحدة، فهي بدورها ملف شديد التعقيد ومثار جدل كبير.

منذ نشأة مجلس التعاون الخليجي سنة 1981 مثل تشكيل الاتحاد النقدي أحد أهم أهداف المجلس، وقد نجح المجلس في أن يكون كيانا سياسيا واقتصاديا قويا وفعالا إلا أن حلمه بتحقيق وحدة نقدية خليجية تجعله اتحادا قويا بقي بين أخذ وعطاء.

وفي حال تحقق المشروع فإن دول الخليج ستتحول إلى ثاني ‏أهم تكتل نقدي في العالم بعد الاتحاد الأوروبي. ويذهب البعض إلى القول إن هذه الخطوة ستقلل من مخاطر تعرض ‏دول المنطقة لتقلبات الاقتصاد ‏العالمي ومواجهة ما قد يطرأ من أزمات مالية عالمية.‏ وقال الباحث الاقتصادي جون سفاكياناكيس “أعتقد أن الوحدة ستتم… وسينظر إلى الخليج على أنه كتلة مصدرة للنفط وهو أمر مهم للدول الصغيرة بالمنطقة”.


إيران على خط المواجهة


في ذات الملف كتبت وفاء السيّد، محلّلة باحثة، بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية–الشرق الأوسط، موضّحة أن دول الخليج اعتمدت على مرّ التاريخ على الضمانات الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة، ولكن أمامها اليوم فرصة لتأسيس تحالف أوسع مع دول مجلس التعاون الخليجي الست، أي البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وقد تكسر المخاوف المشتركة، التي تنتاب هذه الدول حيال تراجع التواجد الأميركي والتزامها تجاه دول الخليج، الحواجز التي حالت في السابق دون ظهور تناغم دفاعي أكبر، لا بل قد تحوّل هذه المخاوف مجلسَ التعاون الخليجي من مجرّد هيئة تشاورية إلى هيئة تنسيقية تضم هيكلية تحالف عسكري فعّال. وترى السيّد أن القلق من الاتفاق النووي المؤقت بين إيران ومجموعة الخمسة زائد قد يفضي إلى تعاون خليجي أكبر.

شهدت العلاقات الأميركية الخليجية توتّرا قبل فترة طويلة من التقارب الجديد بين إيران وواشنطن الذي ساهم انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في تسريعه. فقد وضع الربيع العربي دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصا المملكة العربية السعودية، في موقف متباين مع الولايات المتحدة حيال التعامل مع الأزمة في مصر وسوريا والاضطرابات المحلية والاجتماعية في بعض الدول الخليجية نفسها. وقد عبّرت المملكة السعودية عن إحباطها وعدم رضاها عن السياسات الإقليمية التي تتبنّاها واشنطن من خلال تخلّيها عن مقعدها غير الدائم في مجلس الأمن. وبدأت كذلك دول الخليج تشكّك في مدى التزامات واشنطن طويلة الأمد تجاه المنطقة، خصوصا بعد تحويل الرئيس الأميركي باراك أوباما تركيزه نحو آسيا.

جون سفاكياناكيس: أعتقد أن الوحدة ستتم وسينظر إلى الخليج على أنه كتلة مصدرة للنفط

بالتالي، دفعت التحوّلات الجيوسياسية في السنتين الماضيتين مجلس التعاون الخليجي إلى البحث عن خطوات تعاونية راسخة أكثر. فعندما اندلعت الاحتجاجات في البحرين في عام 2011، دعا المجلس إلى تأسيس اتحاد خليجي. وعندما تفاقمت الاضطرابات في المنطقة قرّرت دول المجلس توقيع الاتفاقية الأمنية التي تعطلت لعقود.


المطلوب لأجل الاتحاد


تخلص وفاء السيد في دراستها إلى أن البحث عن ترتيباتٍ دفاعية أكثر تعاونية في مجلس التعاون سيعود على المنطقة بمنفعة، وذلك من شأنه أن يسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها. وهذا ما أكّدت عليه أيضا دراسة عمر العبيدلي، الذي يرى أن خطوات مجلس التعاون نحو الاتحاد تعاني من غياب التنفيذ والتفعيل والسبب عائد إلى عدم وجود مؤسسة مركزية خليجية.

انطلاقا من ذلك يشير العبيدلي إلى أن تفعيل مشروع الاتحاد الخليجي يعتمد على رسم آليات متقدمة ومعقدة لمعالجة تضارب المصالح بين الأعضاء، إذ يأتي الاتحاد كحلقة في نهاية سلسلة طويلة من خطوات تكاملية منها اتفاقية تجارة حرة ووحدة جمركية وسوق مشتركة وعملة موحدة.

وتؤكد الدراسة أن على دول الخليج إعادة هيكلة مؤسسات مجلس التعاون وتفعيل الخطوات التي تسبق الاتحاد بطريقة شاملة وبعدها يمكن رسم خطة اتحاد “بجدية”. ويخلص الباحث عمر العبيدلي في دراسته، التي قدّمها خلال مؤتمر أقيم في القاهرة تحت عنوان “اتحاد دول الخليج العربية: آفاق المستقبل”، إلى أن المشكلة تكمن في أن هيكل المجلس قائم على مبدأ التنسيق وليس على التعاون مع تأكيده على أن الدول الخليجية قد تجاوزت منذ زمن مرحلة حصد المكتسبات عبر التنسيق وإذا كانت ترغب في تحقيق منافع جديدة عليها أن تغير مفهومها جذريا عن طبيعة التفاعل بين الدول الأعضاء.

7