التحول نحو العنف يعزز حاجة الجماعات الإسلامية للعقول العلمية

يصف الخبراء خرّيجي كليات الهندسة والعلوم والطب، ومختلف العلوم التطبيقية، بأنهم المركّب الأساسي لكل الجماعات الإسلامية، مقابل عدد محدود جدّا من الذين درسوا الأدب والفنون والعلوم الاجتماعية، مشيرين إلى أن هذه الجماعات تقوم على التلقين وتبتعد عن إعمال العقل والتفكير، وغالبية المنشقين عن هذه الجماعات من خريجي الكليات النظرية.
الأحد 2016/01/31
وقود الجماعات الإسلامية

القاهرة – ترافق بزوغ نجم الجماعات الإسلامية وما تفرع عنها من تنظيمات جهادية، في نهاية السبعينات مع ظاهرة لافتة هي أن أغلب القادة ومعظم النشطاء المعروفين من دراسي العلوم التطبيقية، مثل الطب والهندسة، على عكس الظهور الأول لجماعات الإسلام السياسي في عشرينات القرن الماضي؛ فحسن البنا، المرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين، درس في كلية دار العلوم النظرية، وخلفته مجموعة من القيادات المعروفة تخرجت كلها من كليات نظرية؛ والمرشد الثاني حسن الهضيبي، تخرج من كلية الحقوق، وسيد قطب، منظّر الجماعة درس في دار العلوم، وعمر التلمساني المرشد الثالث درس الحقوق أيضا.

بينما الصحوة الثانية للجماعة وملحقاتها الجهادية، إذا جازت التسمية، في النصف الثاني من فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات في سبعينات القرن الماضي اعتمدت بشكل أساسي ليس فقط على خريجي الكليات العملية، بل إن منطلقاتها الحركية كانت دائما تبدأ من النقابات التطبيقية، مثل نقابتي الأطباء والمهندسين في مصر.

واللافت للانتباه أن انخراط دارسي العلوم التطبيقية لا يقتصر على مصر فقط، بل تكاد تكون ظاهرة في جميع البلدان العربية التي ينشط فيها التيار الإسلامي الحركي، ولعل نموذج السودان يؤكد هذه القاعدة المنتشرة في مصر منذ زمن، فغالبية قيادات الحركة الإسلامية تجدهم من خريجي الكليات العملية، بدءا من حسن الترابي، وصولا إلى غازي صلاح الدين ومصطفى عثمان إسماعيل.

وربطت دراسة بريطانية نشرت مؤخرا بين دراسة الطب والهندسة والقابلية للتطرف الديني، بسبب طبيعة المناهج التعليمية الخاصة بتلك النوعية من الدراسات والتي تفتقر للإبداع وتقتل السمات النقدية لدى دارسيها وتجعلهم أقرب للخضوع والاستسلام لفكرة واحدة دون البحث عن البديل.

وذكرت الدراسة أن حوالي نصف الجهاديين (48.5 بالمئة) من المجندين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هم من الذين تلقوا تعليما عاليا، وأن 44 بالمئة منهم حصلوا على شهادات في الهندسة، بينما بلغت تلك النسبة 59 بالمئة بين الجهاديين الذين تم تجنيدهم في الغرب.

ويرجّح عمار علي حسن، الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، أن هذا التحول طرأ على نظرة مؤسسي الجماعات المتطرفة في السبعينات، متزامنا مع توجهها نحو العنف ومن ثم تزايد حاجتها للأفخاخ والمتفجرات التي تحتاج عقليات علمية، وبالتالي أصبح طلاب الكليات العملية هدفا أساسيا لهم، كما أن الجماعات المتطرفة رأت في طلاب الهندسة والطب استثمارا بشريا يمكن توظيفه فيما بعد.

وقال لـ”العرب” إنه على عكس ما يروّج كثيرون فإن جماعة الإخوان كانت أول من انتبه لهذا الأمر قبل الجماعات المتطرفة بفترة، بدليل تولّيها في فترة الإحياء الثانية في السبعينات رعاية بعض الطلاب من فقراء كليات الطب، حيث تتولى تعليمهم ثم تنشئ لهم عيادات ومراكز طبية بعد التخرج في الجامعة، تتولى إدارتها بمعرفتها، لتحقيق فائدة مزدوجة تتمثل في الحصول على نسبة من أرباح العيادة أو المركز الطبي والإنفاق منها على أنشطتها. وفي نفس الوقت تخصيص نسبة يومية للكشف المجاني على فقراء المناطق العشوائية ليكتسب الطبيب رصيدا اجتماعيا مهما خلال سنوات يمكن استغلاله في الدفع به في انتخابات برلمانية أو محلية أو نقابية، وهو ما حدث بالفعل.

طبيعة المناهج التعليمية في مدارس الطب والهندسة والعلوم لا تعطي فرصة للانتقال بين البدائل وتربي الطالب على الجمود

وأشار حسن إلى أن أغلب التنظيمات المتطرفة تقوم على مبدأ السمع والطاعة، لذلك لا تميل لتجنيد طلاب الدراسات النظرية لأنهم يتعلمون تعددية الآراء ويؤمنون باختلاف مسارات العلم، وأنه لا يوجد حسم للأمور من طريق واحد، بينما يتصور طالب الهندسة والطب أن الواقع مثل المعادلات الرياضية ليس له بديل ومثل هذه العقلية الأحادية هي صيد سهل للجماعات.

واقترح الباحث تدريس مواد من العلوم الإنسانية لطلاب الكليات العملية مثل “الفلسفة والمنطق وعلم النفس والاجتماع” في كل سنة من سنوات الطب والهندسة، كما هو معمول به في الغرب لأن هذا سيسهل مواجهة التطرف.

الحور العين

بدأ الاهتمام بالظاهرة عام 2014 عندما وجه أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية نداء إلى الأطباء والمهندسين للالتحاق بـ”دولة الخلافة”، وهو النداء الذي كشف حاجة التنظيم الإرهابي إلى صانعي قنابل وعناصر أكثر قدرة على التعامل مع المعادلات والدوائر الكهربائية وتوصيلها، وهو ما يفسر النشاط الملحوظ والنجاح الذي حققته تلك الجماعات في مجال القنابل المفخخة وقدرتها على اصطياد شخصيات مهمة في بعض دول الربيع العربي لا سيما في تونس ومصر.

واستندت “وثيقة تحصين العقل” لمارتن روز، كبير مستشاري المجلس البريطاني الثقافي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى الحادث الإرهابي الذي وقع على شاطئ سوسة في تونس في يونيو الماضي وأسفر عن مقتل العشرات على يد أحد أبناء الجماعات الجهادية الذي درس هندسة الكهرباء ويدعي سيف الدين رزقي، كما أن أبرز الشخصيات في الجماعات الجهادية من دارسي العلوم الطبيعية والطب والهندسة، ومنهم أيمن الظواهري الذي خلف أسامة بن لادن في زعامة تنظيم القاعدة، والذي تخرج من كلية الطب جامعة القاهرة قسم الجراحة.

ويتفق الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، مع ما تذهب إليه دراسة روز بأن طبيعة المناهج التعليمية في مدارس “الطب والهندسة والعلوم” لا تعطي فرصة للانتقال بين البدائل وتربي الطالب على الجمود.

ويقول روز إن ثقافة تدريس العلوم تعتمد بشكل دائم على مفهوم الصواب والخطأ، أو الحق والباطل، وهو ما من شأنه أن يدمّر قدرة طلاب العلوم والهندسة على تنمية مهاراتهم في النقد. وذلك لا يقتصر على الطلاب العرب فقط، حيث أن التقارير أشارت إلى انجذاب بعض طلاب الطب البريطانيين لنظرية الخلق.

وأشار لـ”العرب” إلى أن معظم الشخصيات من ذوي النزعة الثورية هم من خريجي كليات العلوم الطبيعية، لافتا إلى أن دراسة العلوم الاجتماعية مثل التاريخ والفلسفة والموسيقي وغيرها تلعب دورا كبيرا في تشكيل مهارات الطالب وتنوع إمكانياته وتنمّي الجانب الإنساني لديه .

عقلية أحادية يسهل التأثير عليها

ونوه صادق إلى تباين المستوي التعليمي بين القيادات التنظيمية لتلك الجماعات وكوادرها الذين وصفهم بالأدوات، مؤكدا أن معظم الكوادر من أصحاب المستوى التعليمي المتدني والمنخفض بحيث يسهل التأثير عليهم وإقناعهم بالأفكار الهدامة على اعتبار أنها تدخل في إطار “الشدة والحزم” التي دعا إليها الدين، كما يمكن التأثير عليهم باللعب على وتر الدين والجنة والنار والفوز بالحور العين، وكلها من الرسائل الدينية التي تلقى هوى في نفوس الأشخاص قليلي الثقافة الدينية والإنسانية.

وترجع “وثيقة تحصين العقل” السبب إلى طبيعة المناهج التعليمية التي يتلقاها طلاب الكليات العملية، والتي تقودهم إلى أن يصبحوا أسرى فكرة أن الحياة قائمة على لونين فقط هما الأبيض والأسود أو الحق الذي تمثله تلك الجماعات، والباطل الذي يمثله النظام السياسي الحاكم في أيّ دولة، وهذا النمط يجعل الفرد فريسة سهلة للخضوع والخنوع والاستسلام.

ويؤكد الافتراض الصادم ما سبق أن ذهب إليه تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية عام 2003 الذي اعتبر أن مناهج التعليم العربية تشجع على الطاعة والتبعية والامتثال بدلا من التفكير النقدي الحر. ويعتبر انخفاض وهشاشة الجرعة الدينية في مناهج التعليم المدرسية والجامعية سببا جوهريا في سهولة استقطاب الجماعات المتطرفة للكثير من الشباب الباحث عن بوصلة للهداية لا يجدها غالبا في المؤسسات الرسمية، بينما يجد مكانا دائما له في حضن الجماعات المتطرفة التي نجحت في طرح نفسها كبديل للمؤسسات الدينية وسيطرت على قنوات التواصل معهم في الجامعات والمدارس والنوادي والنقابات في غياب تام للدولة.

شهادة من الداخل

ناجح إبراهيم، القيادي السابق في الجماعة الإسلامية والمتخرج من كلية الطب البشري، وافق على ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، لافتا إلى أن أغلب عناصر الجماعة الإسلامية وجماعة الإخوان فترة الستينات وما بعدها من خريجي كليات الطب والهندسة والطب البيطري والصيدلة، ومنهم عاصم عبدالماجد القيادي بالجماعة الإسلامية (خريج هندسة)، ومحمد مرسي الرئيس المصري الأسبق (خريج هندسة)، محمد بديع مرشد الإخوان (خريج طب بيطري)، أبو العلا ماضي أحد أبناء الحركة الإسلامية ورئيس حزب الوسط المنشق عن جماعة الإخوان (خريج هندسة)، ناهيك عن محمد البلتاجي وسعد الكتاتني وغيرهما، من خريجي الكليات ذات التخصص العلمي.

وشرح إبراهيم، الذي يعرف بأنه منظّر تنظيم الجماعة الإسلامية، لـ”العرب” سبب تراجعه هو شخصيا عن التطرف الفكري والانخراط التنظيمي في أنشطة الجماعة الإسلامية، قائلا إنه بعد دخوله السجن سعى لشغل وقته بما يفيد فدرس الآداب والحقوق وهما كليتان نظريتان، ما عزز التوجه النقدي في فكره وجعله يعيد النظر في مواقف وأفكار الجماعة التي كان مرشدها الروحي عمر عبدالرحمن المسجون في أميركا.

ناجح إبراهيم: دراستي للحقوق والآداب في السجن دفعتني لمراجعة أفكار الجماعة الإسلامية والمساهمة في طرح مبادرة وقف العنف

وقال إن دراسة العلوم النظرية أفادته جدا في إعادة تقييم الأفكار التي آمن بها لسنوات طويلة، وقضى بسببها سنوات شبابه داخل السجن، واكتشف أن كل ما كان يقال لهم لم يكن صحيحا بالضرورة، ما دفعه لاحقا للمساهمة في طرح مبادرة وقف العنف عام 1997.

لكن منظّر الجماعة الإسلامية السابق يؤكد في المقابل أن جزءا من أسباب انخراط الشباب في الجماعات المتطرفة يتحمله العلمانيون الذين اتخذوا من نقد الحركات والفكر الإسلامي وسيلة أو منفذا للطعن في الإسلام، وهو ما يثير حفيظة وحماسة شباب الحركة الإسلامية تحت ضغط من قيادات الحركة التي استغلت هذا الحراك العلماني في شحن عناصرها .

النتائج التي خلصت إليها وثيقة "تحصين العقل" وتحليل الاجتماع السياسي للظاهرة جاءت موافقة لتوصيات تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية 2003 والتي أشادت بالطرق المتبعة في التدريس بالنسبة إلى مناهج كليات العلوم الإنسانية وهو ما يفسر التقدم الذي حققته تلك العلوم في النهوض بالفرد وتنمية مهاراته وقدراته الإبداعية.

وأشارت إلى نماذج مهمة في المنطقة العربية استطاعت الحصول على جوائز عالمية في العلوم الإنسانية والإبداعية مثل جائزة نوبل في الآداب التي حصل عليها الأديب نجيب محفوظ.

ولفت سامح عيد، أحد الكوادر السابقة في جماعة الإخوان والباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إلى أن معظم خريجي كليات الهندسة والطب من أبناء الطبقة المتوسطة، التي تعتبر الوقود المحرك لأيّ نشاط أو عمل سياسي أو اجتماعي. وأشار إلى بعض السمات الشخصية التي ينفرد بها خريج الطب والهندسة عن غيره من خريجي الكليات النظرية تجعله صيدا سهلا للجماعات المتطرفة مثل ميله للعزلة الاجتماعية.

وطرحت دراسة "تحصين العقل" أيضا علامة استفهام حول كيفية التواصل بين الجماعات الجهادية والشباب المستهدفين ومدى تورط النقابات المهنية والمنظمات الحقوقية في تلك القضية.

وفي ردّه على ذلك، شدّد عمار على حسن مرة أخرى على دور النقابات المهنية في شحن وتفريغ العناصر الجهادية كونها حلقة الوصل بين أطراف العملية، مشيرا إلى سيطرة الحركة الإسلامية في فترة من الفترات على جميع النقابات المهنية التي تم توظيفها في جمع الأموال وتسفير الشباب إلى أفغانستان بدعوى الجهاد في سبيل الله، في إطار فعاليات نقابية في غياب دور الدولة. بينما أشار سامح عيد إلى دور نوادي هيئة التدريس في تجنيد الشباب، وأنها من أكثر الكيانات جذبا للشباب وتلعب دورا مهما جداً في اصطياد العناصر الجهادية.

أسامة برهان، أمين عام اتحاد النقابات المهنية، برر لـ”العرب” تورط النقابات في هذه الإشكالية بسيطرة التيار المتشدد عليها طوال عقد التسعينات وما بعده، حيث كان منتسبوها أكثر القوى السياسية تنظيما وتدخلا في حياة الشباب واحتوائهم من خلال استغلال الوازع الديني الذي افتقدته كل مؤسسات الدولة فضلا عن انشغال التيار المدني بالمكاسب السياسية على حساب الجانب الاجتماعي والأخلاقي الذي كان في بؤرة اهتمام التنظيمات المتشددة.

وأكد برهان أن النقابات المهنية استوعبت الدرس جيدا وتحاول تقليص مساحة الفجوة بين الشباب والمؤسسات الخدمية، مطالبا الدولة بالتدخل في بعض النقابات المهنية التي لا يزال يسيطر عليها رموز من القيادات الجهادية حتى الآن.

6