التحويلات المالية للأبناء تخفف معاناة أسرهم

أموال المغتربين تحافظ على مقومات الحياة الكريمة للعائلات في لبنان.
الأربعاء 2021/09/22
الأسر اللبنانية تواجه ظروفا معيشية صعبة

دفعت الأزمة الاقتصادية الحادة الأسر اللبنانية إلى حافة الفقر، حيث لم تعد أغلبها قادرة على توفير حاجاتها الأساسية اللازمة، لولا تحويلات الأبناء المغتربين التي تنقذ أهاليهم من الجوع والمرض وسط ارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية والأدوية.

بيروت - أصبحت الكثير من الأسر اللبنانية تعتمد على التحويلات المالية التي يرسلها الأبناء من دول المهجر، بطرق مختلفة، لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة التي تثقل كاهل اللبنانيين داخل البلاد وخارجها.

وتواجه أم حسان الانهيار المعيشي في لبنان وتصمد في وجهه بـ300 دولار شهرياً، يرسلها ابنها من إحدى الدول العربية، حيث يقيم ويعمل مهندسا هناك.

هذا المبلغ يشكل خشبة خلاص لأسرة تعيش في بلد تضربه منذ نحو عامين إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، وفق تصنيف البنك الدولي.

ويعاني لبنان منذ نحو عامين أزمة اقتصادية حادة أدت إلى انهيار مالي وارتفاع قياسي لمعدلات الفقر، فيما رجح البنك الدولي في يونيو الماضي أن تكون هذه الأزمة إحدى أشد ثلاث أزمات في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وكشفت آخر الإحصاءات ارتفاع نسبة الأسر المحرومة من الرعاية الصحية إلى 33 في المئة وزيادة نسبة الأسر غير القادرة على الحصول على الدواء إلى أكثر من 50 في المئة، بالإضافة إلى تفاقم البطالة وإقبال اللبنانيين بشكل غير مسبوق -حتى في الحرب الأهلية (1975 – 1992)- على الهجرة بحثًا عن عمل يضمن لهم حياة أفضل ويمكنهم من مساعدة أهاليهم.

ومثل أم حسان، فإن ربع الشعب اللبناني تشكل له التحويلات المالية بالعملات الأجنبية من الخارج شريان حياة، في ظل تدهور قيمة العملة الوطنية بشكل غير مسبوق.

بدوره يرسل فادي المقيم في بلجيكا إلى ذويه 200 يورو شهرياً، وبذلك ينتشلهم من واقع مرير يرزح تحته الكثير من اللبنانيين الذين إما فقدوا وظائفهم أو أصبحت رواتبهم بالعملة المحلية غير ذات قيمة.

محمد شمس الدين: التحويلات توفر الاستقرار والدخل المالي لقسم كبير من الشعب

ومن خلال ذلك المبلغ يستطيع ذوو فادي في لبنان الحفاظ على قدرتهم الشرائية وتوفير السلع الغذائية وحاجياتهم الأساسية شهرياً، ولا يزالون صامدين معيشياً في ظل الانهيار الاقتصادي والمعيشي في البلاد.

ولحسن حظ هذه العائلات أن لها أبناء مغتربين، حيث دفعت الأزمة نحو 500 ألف عائلة لبنانية من الأشد فقرا إلى اللجوء إلى بطاقة الدعم الشهرية التي تمنحها الحكومة وتوفر 25 دولارا للفرد و126 دولارا كحد أقصى للعائلة تساعدها على تحسين أوضاعها المعيشية.

وهكذا فإن التحويلات المالية من الخارج هي بمثابة “نفط لبنان” الذي ينبع من خلف البحار والمحيطات بين أيدي أبنائه المغتربين، ويصب المليارات من الدولارات داخل البلاد.

ووفق الباحث في شركة “الدولية للمعلومات” (خاصة) محمد شمس الدين فإن عدد اللبنانيين المقيمين في الخارج -وتطلق عليهم تسمية “المغتربين”- يقدر بنحو مليون و300 ألف مغترب، من أصل 5.5 مليون نسمة.

وتقدر التحويلات المالية بالعملات الأجنبية التي يرسلها هؤلاء من بلدان إقامتهم إلى لبنان بنحو 12 مليار دولار سنوياً، في حين أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن تلك التحويلات تتراوح بين 7 و8 مليارات دولار سنوياً.

ويرجع سبب الفارق في الأرقام إلى أن قسماً من هذه الأموال يُحول إلى لبنان عبر البنوك وشركات تحويل الأموال، وقسم آخر يحول عبر طرق أخرى بعيدة عن القنوات الرسمية.

ومن الطرق الأخرى لدخول تلك الأموال البلاد وضعها في جيوب المسافرين أو في حقائبهم، لذلك يصعب إحصاؤها، ويقول شمس الدين إنها تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار.

باتريك مارديني: التحويلات تمتّع العائلات بقدرة شرائية مقبولة

وقبل أسبوعين أعلنت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “إسكوا” أن 74 في المئة من سكان لبنان يعانون الفقر في 2021.

ويستفيد من التحويلات المالية ما يقارب الـ220 ألف أسرة، أي حوالي ربع العدد الإجمالي، وهذا ما يشكل للكثير من اللبنانيين أحد أبرز عوامل الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية القائمة.

ويشرح شمس الدين قائلا إن “مبلغ 12 مليار دولار الذي يدخل البلاد سنوياً من خلال تلك التحويلات هو بمثابة اقتصاد رديف لبلد صغير مثل لبنان، ويسهم في توفير الاستقرار والدخل المالي لقسم كبير من الشعب”.

ولئن كانت تلك التحويلات تشكل خشبة نجاة للكثير من العائلات اللبنانية في ظل الأزمة الحالية، فإنها طالما شكلت في السابق محركاً أساسياً للدورة الاقتصادية، وفق قول الخبير باتريك مارديني.

ويشرح مارديني قائلا إنه “قُبيل الأزمة الاقتصادية كانت معظم تلك التحويلات تصب في القطاع البنكي كودائع للمغتربين، وكانت تشكل الجزء الأكبر من الودائع في البنوك اللبنانية والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار، ويستفيد منها الاقتصاد اللبناني برمته وليس فقط أهالي المغتربين”.

أما اليوم فقد أصبح دور تلك الأموال شبه محصور في مساعدة ذوي المغتربين من خلال تحويل الأموال إليهم مباشرة وليس عبر إيداعها في القطاع البنكي، بسبب تزعزع الثقة في هذا القطاع إثر الأزمة الاقتصادية.

ومنذ أواخر 2019 فرضت البنوك اللبنانية قيوداً قاسية على السحوبات المالية من ودائع العملات الأجنبية، كما حددت سقوفاً للسحوبات بالليرة، ما دفع بعض أصحاب الودائع إلى تنفيذ احتجاجات في الشارع من حين إلى آخر.

ويشير مارديني إلى أن تلك الأموال تحافظ على مقومات حياة الشعب اللبناني، وتجعل قسماً كبيراً منه يتمتع بقدرة شرائية مقبولة.

اقرأ أيضا: أزمة البنزين في لبنان تطال العودة المدرسية

21