التحيز الذاتي يعرقل حياتنا الاجتماعية والعاطفية

لدينا جميعا نظرة خاصة وفريدة إلى العالم الذي يحيط بنا، وتتكون نظرتنا هذه من خلال التوقعات والافتراضات والأفكار التي نمتلكها مسبقا حول الكيفية التي يسير بها هذا العالم، تلك الأفكار والتصورات التي تتطور من خلال طبيعة استيعابنا وتفسيرنا للأمور والأحداث والأشخاص في الواقع، الذي يترجم إلى واقع شخصي أو بمعنى أدق إيماننا ونظام تفكيرنا الشخصي، وهو في الحقيقة وفي جزء كبير منه، نظام نتشاركه مع بقية أفراد مجتمعنا أو منطقتنا أو قبيلتنا أو الرقعة الجغرافية التي تجمعنا بأناس يشبهوننا في اللغة أو القومية، هذه الأفكار المشتركة التي تعمل بدورها كقاعدة تمثل أساسا بناء إطار اجتماعي معين.
الأربعاء 2016/10/05
لا نعلم كم هي ظالمة أحكامنا وتصوراتنا المسبقة

ماذا سيحدث لو اكتشفنا أن تصوراتنا وأفكارنا عن أشياء بعينها ليست دقيقة أو في غير محلها أو ليست كما تبدو عليه في الواقع؟ وفي حال تأكد لدينا هذا الأمر، فماذا سيحدث عندما نقرر أن نحرر أنفسنا من قيودها، وبالتالي من الإطار والنظام الاجتماعي اللذين يحوطانها؟

يرى مايكل جي فورميكا؛ مستشار وخبير في تطوير الذات وعلم النفس والمحاضر في جامعة كولومبيا الأميركية، أن التحيز المعرفي لاتجاهات معينة ليس بالفكرة الجديدة، وفي الحقيقة، هو شيء متأصل في الفكر الإنساني ويدخل في أحيان كثيرة في جذور الصراعات المجتمعية بجميع أشكالها العقائدية، بسبب تعارضه مع الواقع والمشتركات الإنسانية.

وفي أحيان كثيرة يتخذ هذا الصراع أوجهاً معقدة وعصية على الفهم، مثل ما يحدث في بعض المناطق الساخنة في العالم من صراعات دينية وعنصرية وكل ما تمثله من تهديد لاستقرار المجتمعات، في حين يأخذ هذا الصراع مجرد شكل مبسط من الخلافات التي تتوارد في حياتنا اليومية، مثل تبني نوع معين من المنتجات الغذائية والانحياز لها وتفضيلها على منتجات أخرى حتى إذا كانت أفضل جودة لمجرد تحقيق فكرة الانحياز إلى تصورات مسبّقة عنها.

وتقوم فكرة التحيز المعرفي على أساس وجود فكرة مسبقة عن شيء ما والتمسك بها وعدم الرغبة في تقبل أي فكرة أخرى، على الرغم من عدم تطابقها مع الواقع والمنطق، لمجرد مخالفة وجهة نظر فريق آخر قد يقف على الطرف القصي تماما من ذلك.

وهناك أنواع كثيرة من التحيز المعرفي، تم وصفها وتحديدها من قبل متخصصين على مر السنين، فأما التحيز الذاتي؛ الذي يحاول أن يصب في نظرتنا الداخلية، التي قد تكون مشوهة، في سياق تجاربنا الشخصية، فيمثل أحد التحيزات التي تتسبب في صراع داخلي نفرضه على أنفسنا ويمكن أن يعرقل إلى حد خطير حياتنا الاجتماعية والعاطفية.

نظرتنا إلى العالم، من الناحية الاجتماعية والعاطفية، في جزء كبير منها مدفوعة بمدى تقييمنا للناس

والتحيز في الأساس هو نمط من السلوك والاتجاه المنظم والمحدد من التفكير، يمكن أن ينحرف عن بعض المعايير المتوقعة، فعندما نتحدث عن التحيز وطريقتنا في التفكير باتجاه معين دون سواه، فنحن قد نصف حالة مشوهة من الحكم على الأشياء حيث يغيّب فيها المنطق والعدل في أغلب الأحيان. وهو المكان الذي تأتي منه التوقعات والافتراضات والأفكار المتطرفة، فعندما ننظر إلى العالم من زاوية مشوهة فنحن نصل في نهاية المطاف، إلى طريق يؤدي بنا إلى اتجاه واحد، في حين أن الواقع مختلف تماما عن ذلك، وقد يكون تأثير هذا الخيار علينا كارثيا في صورة علاقات اجتماعية مشوهة، نضطر إلى تكرارها وفق المقاييس المنحازة ذاتها من دون التفكير في قدرتنا على الاندماج في محيطها أو لا، حتى نجد أنفسنا في النهاية أسرى لها ولنمطيتها المقيتة.

ويؤكد فورميكا على أن نظرتنا إلى العالم، من الناحية الاجتماعية والعاطفية، في جزء كبير منها مدفوعة بمدى تقييمنا للناس وهو الإطار الاجتماعي الذي نشكله بأنفسنا، كما أن صورة حكمنا على الأشياء تكون غير واضحة في بعض الأحيان، لذلك قد تتعارض مع تجاربنا الشخصية ومستوى توقعاتنا وافتراضاتنا المسبّقة التي تحكم علاقاتنا بمحيطنا.

ومن ناحية أخرى، يرى متخصصون في علم النفس الاجتماعي أن اختراق الجدران الصلدة التي تمثلها تحيزاتنا المسبقة قد لا يكون هينا، خاصة إذا كانت تتعارض بشدة مع قيم المجتمع الذي نعيش فيه وتقاليده، حتى إذا كانت هذه القيم مشوهة وغير واقعية، ولهذا فإن محاولة الخروج أو التحرر من هذه الجدران تتطلب شجاعة ورغبة حقيقية في الانفلات من تأثير الآخرين، وهم المسؤولون بصفة مباشرة وغير مباشرة عن تكوين قناعاتنا أو التأثير فيها.

وتعتقد الدكتورة رينيه جارفينكل؛ الكاتبة الأميركية وأستاذة علم النفس السريري، بأننا لا نعلم بالضرورة كم هي ظالمة أحكامنا وتصوراتنا المسبّقة، ومدى وقوعنا بسهولة تحت تأثير (الآخر) بكل تناقضاته ونظرته القاصرة إلى الأشياء والأحداث من حولنا.

وتسهم العاطفة والتجارب المسبقة في ميلنا إلى رؤية ما نود أن نراه، في حين نتجاهل حقيقة الأشياء حتى وإن كانت واضحة أمام أعيننا، وهذا يشبه كثيرا ما يقوم به الساحر من تضليل للجمهور عندما يجذب انتباهه إلى جزء واحد من المشهد في الوقت الذي يركز عمله على جزء آخر بصورة مقصودة.

وترى جارفينكل التحيز، على أنه الميل إلى الاهتمام ورؤية ما نؤمن به وإهمال ما عداه، وهذا بالتحديد ما تلجأ إليه بعض وسائل الإعلام في طريقتها لتضليل الجمهور، عندما تقوم بتسليط الضوء على جزء واحد من الأحداث لغاية معينة لمنع الناس من رؤية ما يحدث في الجانب الآخر، ولعل التركيز على مساحة ضيقة من الحدث يجعل رؤيتنا قاصرة في الوقت الذي تبدو فيه الصورة الكبيرة مغيبة تماما. كما تلعب الأساطير والموروثات والعادات الاجتماعية دورا مهما في بناء التحيز المسبق، ولعلها أشد خطورة من غيرها لأن الخروج عن حدودها يعد في بعض المجتمعات جريمة لا تغتفر.

21