التحيز للون البشرة البيضاء يقوّض القيمة الذاتية لدى الكثير من الفتيات

إعادة تأهيل كريمات تبييض البشرة هل تلغي الأحكام المتأصلة حول فكرة أن البشرة الفاتحة أفضل من البشرة الداكنة.
الثلاثاء 2020/07/28
سمراء وجميلة

تربط الكثير من الأسر والمجتمعات مقاييس جمال الفتاة ببياض لون بشرتها، مما يجعل الكثيرات من صاحبات البشرة السمراء يعشن منذ طفولتهن على هاجس تفتيح بشرتهن، واستغلت شركات مستحضرات التجميل هذا الهاجس ودعمته للتسويق لمنتجاتها على مدى عقود في ترسيخ واضح للتمييز على أساس لون البشرة، إلا أنه في الآونة الأخيرة أعادت هذه الشركات التفكير في سياساتها وسط احتجاجات “حياة السود مهمة”، التي انتشرت في جميع أنحاء العالم وأعادت إشعال المحادثات حول العرق واللون.

دبي - تبحث فتيات ونساء سمراوات كثيرات عن تفتيح لون بشرتهن درجة أو درجتين أقل، وبالنسبة للنساء اللواتي يتم تربيتهن وفقًا لمعايير الجمال الثابتة هذه، فإن السوق مليء بالمنتجات والخدمات التي يمكن أن تعمل على تفتيح التصبغ الناتج عن تلف الجلد وتفتيح البشرة تمامًا.

وتبيع أكبر شركات مستحضرات التجميل في العالم الأوهام لعملائها على النحو التالي: إذا فقد زوجك اهتمامه بك، إذا تجنبك زملاؤك في العمل، إذا تم تجاهل مواهبك، قومي بتبييض بشرتك لتغيير حياتك العاطفية، وتعزيز حياتك المهنية.

ولم تحقق أي شركة نجاحا أكبر في الترويج لهذه الرسالة في جميع أنحاء آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط من العلامة التجارية يونيليفر “فير آند لفلي”، التي تبيع ملايين الأنابيب من كريمات تفتيح البشرة سنويًا مقابل 2 دولار أميركي للقطعة في الهند.

وبحسب محللين ماليين في مؤسسة “جيفريز”، تحقق العلامة التجارية البالغة من العمر 45 عامًا أكثر من 500 مليون دولار في الإيرادات السنوية في الهند وحدها.

وبعد عقود من الإعلانات المنتشرة التي تعزز قوة البشرة الفاتحة، فإن إعادة تصنيف العلامة التجارية يجعلها متاحة وفي متناول الشراء على الصعيد العالمي.

ودفعت الحملة المناهضة للعنصرية بحق ذوي البشرة السمراء والتي تجتاح العالم، شركات صناعة مواد التجميل إلى إزالة كلمات مثل “تبييض” و”تفتيح” من منتجاتها المتعلقة بجمال البشرة، لما تنطوي عليه مثل هذه الكلمات من مضامين عنصرية في المعيار الجمالي الذي تسوق له هذه الشركات.

ولكن من غير المحتمل أن يؤدي التسويق الجديد من قبل أكبر العلامات التجارية في العالم إلى عكس الأحكام المسبقة المتأصلة حول “حساسية قضية اللون”، وهي فكرة أن البشرة الفاتحة أفضل من البشرة الداكنة.

وقالت شركة “يونيليفر” إنها تزيل كلمات مثل جميلة وبيضاء وخفيفة من تسويقها وتعبئتها، موضحة القرار على أنه خطوة نحو “رؤية أكثر شمولاً للجمال”. وأشارت شركة “هيندوستان يونيليفر ليمتد” الهندية التابعة لشركة “يونيليفر”، إلى أن العلامة التجارية “فير آند لفلي” ستعرف بدلاً من ذلك باسم “غلو آند لفلي”.

ارتبط الجلد الداكن في جميع أنحاء شمال أفريقيا وآسيا، بالعمال الفقراء الذين يعملون تحت الشمس، على عكس الثقافات الغربية

وحذت شركة “لوريال” الفرنسية العملاقة لمستحضرات التجميل حذوها، قائلة إنها ستزيل أيضًا مصطلحات مماثلة من منتجاتها. وقالت شركة “جونسون آند جونسون” إنها ستتوقف عن بيع خطوط نيوتروجينا لتبييض البشرة وتفتيحها تمامًا.

وحدث هذا التغيير في أعقاب اندلاع احتجاجات جماعية ضد الظلم العنصري بعد وفاة جورج فلويد، الرجل الأسود الذي مات تحت أقدام ضابط شرطة أبيض في الولايات المتحدة.

وسعى نشطاء في جميع أنحاء العالم منذ فترة طويلة إلى التصدي لتسويق يونيليفر العدواني لمنتج “فير آند لفلي”، مع انتقاد إعلانات العلامة التجارية من قبل المجموعات النسائية من مصر إلى ماليزيا.

وأسست كافيتا إيمانويل حملة “دارك إز بيوتيفول” في الهند قبل أكثر من عقد لمواجهة التصورات القائلة بأن البشرة الفاتحة أجمل من البشرة الداكنة. وقالت إن الشركات متعددة الجنسيات مثل يونيليفر لم تقد مبدأ التحيز للون البشرة، لكنها استفادت من ذلك. وقالت إيمانويل “تأييد مثل هذا الاعتقاد لمدة 45 عامًا هو بالتأكيد مدمر تمامًا”، مضيفةً أنه قوض القيمة الذاتية لدى العديد من الشابات في الهند.

وبالنسبة للنساء اللواتي يتم تربيتهن وفقًا لمعايير الجمال الثابتة هذه، فإن السوق مليء بالمنتجات والخدمات التي يمكن أن تعمل على تفتيح التصبغ الناتج عن تلف الجلد وتفتيح البشرة تمامًا.

وفي العيادة التجميلية “سكين آند بدي إنترناشونال” في جنوب أفريقيا، قالت المالكة للعيادة تابي كارا إنها ترى الكثير من الناس يستفسرون عن تفتيح لون بشرتهم درجة أو درجتين أقل.

وأكدت “إنه مطلب عام في أفريقيا. يريد الناس أن تكون بشرتهم أفتح لمجرد أن المجتمع يتوقع أو هو أكثر اهتمامًا بالناس ذوي البشرة الفاتحة”. وتاريخيا ارتبط الجلد الداكن في جميع أنحاء شمال أفريقيا وآسيا، بالعمال الفقراء الذين يعملون تحت الشمس، على عكس الثقافات الغربية، حيث غالبًا ما تكون البشرة المدبوغة علامة على وقت الترفيه والجمال.

وتشتكي الكثير من الفتيات أن سنوات المراهقة خلفت لهن أفكارا سلبية حول لون بشرتهن، وجعلتهن يقمن بمقارنات غير صحية مع الأشخاص ذوي البشرة الفاتحة في ما يتعلق بمظهرهن.

ويتم ترسيخ الفكر الثقافي في الهند من خلال الترويج لبشرة فاتحة في الإعلانات الزوجية اليومية، والتي تشير في كثير من الأحيان إلى لون بشرة العرائس والعرسان على أنها فاتحة إلى جانب طولهم وعمرهم وتعليمهم.

وساعد النظام الطبقي الهندوسي القديم في دعم بعض التحيز، حيث يُنظر إلى الأشخاص ذوي البشرة الداكنة غالبًا على أنهم منبوذون ويشغلون أقذر الوظائف، مثل تنظيف المجاري.

وتم تعزيز قوة البشرة الأكثر بياضًا وتفتيحاً في العديد من الدول من خلال الحكم الأوروبي، وبعد ذلك من قبل نجوم أفلام هوليوود وبوليوود الذين ظهروا في إعلانات تفتيح البشرة. وفي اليابان، كان الجلد الشفاف الشاحب مطمعا منذ القرن الحادي عشر على الأقل. وتنتشر منتجات “بيهاكو” لتفتيح البشرة اليوم بين العلامات التجارية الكبرى.

وتقول شيسيدو، العلامة التجارية الراقية للعناية بالبشرة ومقرها طوكيو، إن أيا من منتجات “بيهاكو” الخاصة بها لا تحتوي على مكونات تبييض البشرة، ولكنها تقلل الميلانين الذي يمكن أن يؤدي إلى تكوّن البقع. وتقول الشركة إنها لا تخطط لتغيير أسماء منتجاتها، بما في ذلك خط “وايت لوسينت”، وذلك ببساطة لأن شركات عالمية أخرى فعلت ذلك.

وفي كوريا الجنوبية، تم استخدام مصطلح “تبييض” في حوالي 1200 نوع من مستحضرات التجميل منذ عام 2001، وفقًا لوزارة سلامة الغذاء والدواء. وقالت الوزارة إن منتجات “ميبيك” التي تم تصنيعها في كوريا الجنوبية بلغت قيمتها 283 مليون دولار العام الماضي.

وأوضحت شركة التجميل الكورية الجنوبية “أموور باسيفيك” أنها تستخدم كلمة “تفتيح” للصادرات إلى الولايات المتحدة لاحترام التنوع الثقافي. وعلى الصعيد المحلي، لا يمكنهم استبدال كلمات مثل “ميبيك” على الكريمات المباعة في كوريا الجنوبية بسبب القوانين التي تتطلب استخدام مصطلحات محددة لوصف وظيفة منتجات تفتيح البشرة.

ورفضت شركة “بروكتور أند غامبل” ومقرها الولايات المتحدة، والتي تبيع العلامات التجارية “أولي” “ناتشورال وايت” و”وايت ريديانس” التعليق عندما سُئلت عما إذا كانت لديها خطط لإعادة تصنيف العلامة التجارية على مستوى العالم.

وقالت إيمانويل إنها ترحب بقرارات يونيليفر ولوريال، لكنها تريد معرفة ما إذا كانت ستطور سياساتها بالكامل حول تفتيح البشرة. وتابعت “نحن متحمسون للغاية لحدوث ذلك، لكننا لم نر بعد ما الذي سيتغير حقًا”.

وأكدت يونيليفر في إعلانها أنها تعترف “باستخدام كلمات ’فاتحة’ و’بيضاء’ و’خفيفة’ والتي توحي بمفرد الجمال المثالي الذي لا نعتقد أنه صحيح”. وبدلا من ذلك، أشار البيان إلى المنتجات التي تستخدم مصطلحات مثل ’التوهج’ و’وضوح البشرة’ و’الإشراق’.

وقال أليكس معلوف، المدير التنفيذي للتسويق في دبي والذي كان يعمل سابقًا في “بروكتور أند غامبل”، إن الشركات كانت تبيع لجماهير مختلفة حول العالم لكنها تولي الآن اهتمامًا بالتغيرات المجتمعية التي تحدث في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يوجد المساهمون بشكل أساسي.

ونشرت لوريال، على سبيل المثال، تغريدة الشهر الماضي تعلن من خلالها أنها “تتضامن مع مجتمع السود وضد الظلم من أي نوع”. وتشمل منتجاتها في الولايات المتحدة العلامة التجارية “دارك آند لفلي” الموجهة للنساء ذوات البشرة السوداء.

وخارج الولايات المتحدة، كانت الشركة تقوم بتسويق خطها “وايت بيرفكت” للحصول على “بشرة نقية لا تشوبها شائبة”. وقال معلوف “لكن لا يمكنك فعل ذلك في العصر الرقمي لأنني أستطيع رؤية ما تفعلونه في الولايات المتحدة. أستطيع أن أرى ما تفعلونه هنا أيضاً”.

21