التخبط الأميركي في سوريا

السبت 2014/06/28

بعد فشل مؤتمر جنيف 2 الذي كان مخصصاً لإنهاء الصراع العسكري في سوريا بتوافق محلي- دولي، بدا التخبط واضحاً في رؤية الرئيس الأميركي باراك أوباما للملف السوري الشائك. ذلك على الرغم من أن الإدارة الأميركية واصلت، طيلة عامين، تقديم العديد من المؤشرات التي توضح مدى ضبابية ومحدودية رؤيتها، وخاصة المراهنة الحاسمة وغير المدروسة على حل سياسي بموافقة طوعية من قبل روسيا ونظام بشار الأسد.

لكن التخبط بلغ ذروته قبل أشهر، إذ بات من الطبيعي والمتوقع أن نسمع تصريحات أميركية متفاوتة، لا بل متناقضة، بخصوص سوريا بين ليلة وضحاها. سواء أكان ذلك على لسان مسؤول حكومي أو على لسان الرئيس الأميركي نفسه، وقد أضحى أفضل معبر عن السياسة الأميركية الضبابية والمترددة في جوهرها، مهما أظهرت من ثقة ويقين وعنجهية على مستوى الخطابة والتصريحات.

فبعد أشهر من حديث أوباما شبه المتواصل عن التحضير لتسليح المعارضة السورية «المعتدلة» وتجهيزها بسلاح “فتاك” هذه المرة وخلافاً للسنوات السابقة، فاجأ أوباما السوريين والأميركيين، على حد سواء، بتصريحات تحمل من المراهقة السياسية أكثر مما تحمل من الحكمة والتعقل.

فكان آخر ما توصل إليه قبل أيام أن تسليح المعارضة السورية سيكون غير ناجع، طالما أنها غير قادرة، واقعياً، على تحقيق انتصار عسكري على قوات الأسد. ليردف بكلام أشد خفة أنه لا توجد «معارضة معتدلة» داخل سوريا قادرة على هزيمة بشار الأسد، وأن مثل هذا التصور «غير واقعي».

ويبدو كلام الرئيس الأميركي محشوراً في خانة تبرير اللامبالاة الأميركية تجاه سير المعارك بين النظام السوري المدجج بالأسلحة، والمعارضة التي تفتقد لمختلف صنوف الأسلحة الثقيلة. فالأخيرة كانت ولا تزال غير قادرة على الانتصار بسبب ضعف تسليحها وقلة حيلة حلفائها أو من يدعون أنهم كذلك، في مقابل عناد وإخلاص حلفاء النظام.

وليس جوهر تصريحات أوباما هو ما يستحق التوقف فقط، إذ أن جزءًا منه قد يكون صحيحاً وخصوصاً المتعلق بضعف أو عدم وجود «معارضة معتدلة» كما يتصور أوباما «الاعتدال». ولكن صدور تصريحات بهذا الشكل المبتذل الذي لا يتناسب مع التصريحات العامة التي تتسم عادة بالحساسية والتوازن ومن أعلى منصب في الولايات المتحدة هو ما يدعو للاستهجان.

ويكتمل الاستهجان حين طلب أوباما يوم الخميس الماضي، أي بعد ثلاثة أيام فقط على التصريحات السابقة، موافقة الكونغرس الأميركي على تخصيص 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز مقاتلي المعارضة السورية الساعين للإطاحة بالرئيس بشار الأسد.

البيت الأبيض الذي أعلن طلب الرئيس في بيان له، أفاد بأنه سيتم التدقيق بشأن مقاتلي المعارضة قبل تقديم المساعدة إليهم، أي أن المساعدات ستتوجه للمعارضة «المعتدلة» فقط، التي كان أوباما قد نفى وجودها في سوريا. وفي حال موافقة الكونغرس، وهي متوقعة، على طلب أوباما، فستباشر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وضع خطط «أكثر تفصيلا» لتدريب وتسليح مقاتلي المعارضة السورية «المعتدلين» كما أعلنت.

ويبدو النشاط الأميركي المستجد، وربما الدولي الذي يرجح أن يتبعه بحماس، بالنسبة لمعظم السوريين كالأنشطة التي سبقته. حيث يجري التلويح بدعم عسكري للمعارضة بعد أشهر من الغزل بالحل السياسي، وحث جميع الأطراف على التوافق، لتكتشف أميركا مدى سذاجة رهاناتها على إرادة روسية بالتسوية، فتعود إلى التلويح بالدعم العسكري في انتظار أية إشارة من روسيا تعيدها إلى دائرة الحل السياسي ونبذ العنف والتخوّف من تسليح المعارضة، وهكذا دواليك.

كان ذلك طيلة العام الماضي، حيث يُظهر الأميركيون أنفسهم كمن توصل إلى مقاربة جديدة للملف السوري، ثم ليتبين بمرور الوقت أنها ذات المقاربة القديمة، بل هي المقاربة الروسية ذاتها: إنهاء الثورة على النظام الحاكم ليواصل حكمه. ولا يواصل غير السوريين أنفسهم القتال، رغم كل الخذلان والموت الذي يعصف بهم، ويعرقل نجاح هذا «الحل السياسي».

عندما أعلن الأوروبيون والأميركيون أنّه «لا لحل عسكري للصراع» أعلنوا تبني المقاربة الروسية، مع تعديل طفيف يتعلق بالإصرار على رحيل الأسد، وهي المسألة المعقدة والصعبة بالنسبة إلى روسيا والتي لا يمكن لها، أو لا تريد، أن تتدخل بشأنها.

هكذا أطلقت أميركا مقاربة جديدة تنطلق من ضرورة «تغيير حسابات الأسد»، ومن وراء ذلك تغيير حسابات كل من روسيا وإيران، وذلك عبر التهديد الجدي بزيادة الدعم للمعارضة لتغيير موازين القوى. لكن الهدف بالنسبة لها يبقى هو «الحل السياسي» الذي يؤطر القوى المجتمعية المنفلتة من عقالها، في إطار سياسي يكون «صديقاً» لمصالح الغرب.

لكن أميركا لم تقدم أيّة مساعدة من أجل «تغيير حسابات الأسد»، ما يعيدنا إلى التخبط والتردد في تنفيذ السياسات وفي طرح الشعارات. فكيف لها أن تغير حسابات طاغية يقصف المدن بالطائرات والصواريخ البالستية ويتمتع بحماية دولية، وهي ترفع شعار «لا لحل عسكري للصراع»؟


كاتب فلسطيني- سوري

8