التخبط الإعلامي المصري تجاه غزة

الجمعة 2014/07/25

أحيانا تطلق جهات سيادية تتبع الرئاسة أو أجهزة الاستخبارات والأمن الضوء الأخضر للإعلام بالتركيز على هذه القضية أو تلك، أو تجاهل قضية أخرى والتعتيم عليها.

وهي إذ تعطي هذا الضوء الأخضر ـ غالبا ـ لا تدرك أن بعض إعلامييها من الجهل والغباء والسذاجة، بحيث يمكن أن يخربوا عليها ما تستهدفه من وراء ذلك، بل يمكن أن يورطوها في أزمة سياسية داخلية أو عداء داخلي مع أطراف القضية، وكثيرا ما يتبرع إعلاميون ـ تأكيدا للولاء ـ بذبح القضية أو قتلها فتكون الطامة الكبرى، وهو الأمر الذي ترك آثارا سلبية على مجمل العلاقات العربية العربية على مستوى القيادة والشعوب، وشوه صورة الإعلام العربي، الذي تكال له الاتهامات بفقدان المصداقية والثقة، والنموذج الفاضح الفج هنا يذهب إلى قناة الجزيرة بامتياز، التي تسببت في الكثير من المصائب والكوارث للعالم العربي قياداته وشعوبه ولا تزال، لكنها لم تعد وحدها بل في الفضاء العربي، ولا أحد يعرف من أين تتدفق الأموال على هذه القنوات.

إننا نطرح الأمر على خلفية معالجة بعض القنوات المصرية للحرب الإسرائيلية على غزة، فبدلا من إظهار الموقف العربي الداعم للشعب الفلسطيني في غزة سواء الذي تقوده الإمارات أو السعودية ومصر، وتركز على الأمور الإيجابية من تحرك دولي وإرسال المساعدات، أو دعم المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، ومناقشتها لكي يعلم جمهور العربي الدور الذي تلعبه القيادة العربية والمصرية خاصة في حماية الفلسطينيين وقضيتهم بغض النظر عن موقفها من حماس وفصائل المقاومة، ذهبت إلى اللامبالاة والتحريض على قتل الفسلطينيين في غزة معلنة العداء للشعب الفسطيني، دون تفرقة بين أبرياء وإرهابيين يتاجرون بالقضية وبالدم الفلسطيني، الأمر الذي أتى بردود فعل عكسية استغلتها جماعة الإخوان الارهابية وحلفاؤها في تشويه صورة القيادة المصرية التي تسعى إلى حماية الشعب الفلسطيني من قيادات الإرهاب الإسرائيلية والفلسطينية على السواء.

فعندما تخرج أماني الخياط على قناة “أون تي في” وتهاجم المغرب على موقفه من القضية الفلسطينية وما يجري في غزة، وتدعي أن الملك المغربي متحالف مع الإسلاميين، وأن اقتصاديات المغرب هي اقتصاديات الدعارة، وعندما يقول توفيق عكاشة في قناة الفراعين، محرضا “غزة مين وزفت مين؟ كان فين شعب غزة عندما تم الهجوم على سيناء وسجون مصر وقتل 25 ضابطا وجنديا في رفح”، ويعلن أنه ضد إرسال مساعدات لغزة، وشعب مصر ضد إرسال هذه المساعدات، وعلى نفس القناة تخرج مذيعة لتطالب القيادة المصرية بدعم إسرائيل في حربها ضد حماس، فهل هذا يخدم الموقف العربي؟

لقد افتقد الكثير من الإعلاميين والكتاب المصريين الموضوعية في متابعتهم للحرب الإسرائيلية على غزة، ظنا منهم أن ذلك يخدم قضية الحرب المصرية ضد إرهاب الإخوان وحلفائهم، ويحقق العدالة ضد ما ارتكبته حماس من جرائم ضد المصريين، الأمر الذي أتى بأمر عكسي حيث بدوا وكأنهم يدافعون عن الدولة الإسرائيلية على حساب القضية الفلسطينية، وهو ما نراه ونلمسه في حوارات ونقاشات رجل الشارع في مصر.

إن التخبط الإعلامي الصارخ في مصر، الذي أهدر الكثير من الثوابت الوطنية والقومية في جهله بالتفرقة بين الشعب الفلسطيني وقضيته وحماس الإرهابية وتحالفاتها مع قطر وتركيا وإيران وبين إسرائيل الدولة العدو شئنا أم أبينا، سيؤتي بثمار على غير ما تشتهي القيادة السياسية، فبفضله وبفضل الدم النازف في غزة بدأت قطاعات الشباب تتذمر وترى أن موقف القيادة السياسية لم يتغير عن موقف نظام مبارك، ومن جانب آخر انتعشت الجماعة الإخوانية سعيا إلى استرداد مصداقيتها والثقة فيها، قائلة “انظروا إسرائيل تقتل الأطفال والنساء في نهار وليل الشهر الكريم”، “انظروا قياداتكم لا تحرك ساكنا بل تقف إلى جوار العدو الإسرائيلي في حربه ضد المسلمين”، “انظروا إن القيادة تقدم مبادرة السمع والطاعة للعدو الإسرائيلي”، وهكذا.

إن مما يؤسف له حقا أن يكون الإعلام المصري في جانبه الأكبر إعلاما لا يدعم مواقف قياداته السياسية ويتجاهل المواقف الجيدة لبعض الدول العربية، ولا يحترم عقلية المشاهد، لا يحلل ولا يناقش أو يفسر، ولكن يرطن ويثرثر و”يطجن” مركزا على العاطفة دون مرجعية تاريخية أو سياسية أو وعي بالحراك المجتمعي وردود أفعاله، يفعل ذلك متصورا غباء كل مشاهديه أو جهلهم. ولسوف يكون لهذا المشهد أثر سلبي في استقرار البلاد في المرحلة القادمة.

18