التخريب والتجريف يطولان مدينة قورينا الأثرية في ليبيا

البناء العشوائي يتحدى قوانين حماية الموقع المصنف تراثا عالميا.
الجمعة 2021/03/26
انتهاكات لمدينة موغلة في التاريخ

الفوضى والحروب تجعلان البعض من المواطنين يتجاوزون القوانين وحرمة المواقع الأثرية التي تمثل هوية البلاد وتراثها كما يحدث في ليبيا، حيث كثرت في السنوات الأخيرة الاعتداءات على مدينة قورينا، فبنيت حولها منازل عشوائية على أراض تحتوي على الآثار بحجة الملكية الخاصة، كما ازدهر نشاط تهريب القطع الأثرية.

شحات (ليبيا) - نجت آثار مدينة قوريني أو قورينا القديمة من العنف الذي رافق الثورة الليبية والصراعات التي تلتها والفوضى، لكنها تواجه اليوم تهديدا من نوع آخر يتمثل بالعبث بها وتخريبها وجرف أراضيها.

وتتوسط المدينة الأثرية المعروفة أيضا باسم شحات أو “سيرين” شرق ليبيا، وقد وتأسست المدينة التاريخية الليبية سنة 631 قبل ميلاد المسيح عن طريق رحالة وتجار يونانيين كانوا يترددون على السواحل الشرقية لشمال أفريقيا، أي المنطقة الواقعة ما بين أقصى شرق بلاد النيل من ناحية البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى خليج سرت الليبي.

وما يقع بعد سرت من ناحية الغرب الليبي وصولا إلى سواحل المحيط الأطلسي، كان خاضعا لنفوذ قرطاج التي أقامت المستعمرات في غرب القارتين السمراء (أفريقيا) وفي الكثير من جزر المتوسط التابعة لأوروبا.

وقورينا واحدة من خمسة مواقع في ليبيا أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي قبل عقود.

هنا تتوسد قورينا منطقة الجبل الأخضر الخلابة التي تتميّز بالتنوع النباتي وبحزام من الأشجار يمتد لعشرات الكيلومترات حولها، ولا تزال أعمدتها وجدرانها التاريخية قائمة، في تشكيل هندسي إبداعي، وكأنه بني في الأمس القريب.

كذلك لا تزال ترتفع تماثيل وجدران وأعمدة مشيدة من صخور ضخمة باللونين الأبيض والأصفر.

ويتجوّل في المكان عدد محدود من السياح المحليين تحت شمس الربيع الدافئة يزورون معبد أبولو أو معبد زيوس الأوسع مساحة من آثار بارثنيون على هضبة أكروبوليس في أثينا.

لكن مصير كل هذه الآثار الضاربة في التاريخ القديم مهدد اليوم بفعل تعديات بشرية مختلفة، من عمليات تخريب عبر الحفر والسرقة والبناء العشوائي.

يقول المسؤول المراقب لآثار شحات عادل أبوفجرة، من المدينة الأثرية، “المشكلة الأكبر تتمثل بتعديات المواطن، إذ يقوم أشخاص كثيرون بجرف بعض المواقع التي تضمّ آثارا، وتقسيمها وبيعها، ويتم بناء منازل سكنية فوق هذه المواقع التي لا تقدر بثمن”.

مواطنون يطالبون السلطات المعنية بوضع مخطط يوضح المواقع المحتملة للآثار المدفونة للحفاظ عليها

وتعود ملكية أجزاء كبيرة من الأراضي المحيطة بالمدينة الأثرية إلى مواطنين يرفضون قرارات حكومية بوقف استخدامها لأغراض سكنية وتجارية، بسبب أن معظمها تتواجد تحتها آثار محمية.

ويشير إلى أنه من الصعب تحديد حجم التعديات، “فالمواقع التي تتعرض لاعتداءات ليست ضمن المنطقة المسيّجة الواقعة تحت حمايتنا (…)، بعض الناس دخلوا إلى أراضيهم التي كانت بحوزة الدولة، وقاموا بتقسيمها وبيعها وبناء مساكن فوقها”.

ويرى مسؤول المتاحف في شرق ليبيا إسماعيل دخيل، أن السنوات العشر الأخيرة شهدت أبرز التعديات على المواقع الأثرية في شحات.

ويضيف “تعرضت شحات للكثير من الانتهاكات، من الكتابة على المباني الأثرية إلى تعرضها للكثير من عمليات الحفر العشوائي، واستخرجت منها قطع أثرية هُربت إلى الخارج”.

ويتابع “نعاني أيضا من البناء العشوائي، إذ امتدّ الزحف العمراني إلى المواقع الأثرية ما أدى بدوره إلى انتهاكها وتدميرها بنسبة تصل بين 20 و30 في المئة من إجمالي مساحتها”.

وأدرجت منظمة اليونسكو مدينة شحات الأثرية وأربعة مواقع ليبية أخرى على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر في يوليو 2016، بسبب الأضرار التي لحقت بها والتهديدات الكثيرة المحيطة بها.

وأشارت المنظمة آنذاك، إلى أن ليبيا لا تزال تعاني من “عدم الاستقرار” الذي يجعل هذه المواقع في دائرة “التهديد الأمني” و”التعديات البشرية”.

ويعتقد الباحث التاريخي الليبي أحمد فرج أن ضعف القانون من أهم أسباب استمرار التعديات التي تطول المواقع الأثرية، مشددا على ضرورة مراجعتها وإعادة النظر فيها.

ويقول فرج العضو في اتحاد بلديات التراث العالمي في ليبيا “قانون حماية الآثار في الحقيقة رغم عراقته وقدمه في ليبيا (…) يحتوي ثغرات وضعفا”.

ويضيف “القوانين لم تعدّل وبقيت على حالها، إلى جانب ضعف آليات تطبيق القانون في حق المخالفين”.

ويعود قانون الآثار وحمايتها في ليبيا إلى العام 1995. وبالرغم من معاقبة المخالفين والمعتدين على المواقع الأثرية بغرامات مالية والسجن، يظل القانون بحاجة إلى مراجعة تتماشى وحجم التعديات الحديثة وشكلها.

ويشاطر مسؤول المتاحف في شرق ليبيا إسماعيل دخيل الباحث رأيه، مؤكدا أن ضعف العقوبات جعلت المواطنين “يستسهلون” الاعتداء على المواقع الأثرية.

ويشير إلى أن “القانون وضع قديما ويعتبر ضعيفا جدا حاليا، لأن الغرامات المالية بسيطة جدا وعقوبة السجن كذلك، وبالتالي لا تردع الانتهاك الذي نشاهده بصورة مستمرة”.

ويطالب فرج بفصل مصلحة الآثار والجهات التابعة لها عن السلطة الحكومية المباشرة، وإنشاء مجلس أعلى مستقل للآثار.

ويقول “وجود مصلحة الآثار تحت سلطة الحكومة يعدّ قصورا، لذلك طالبنا مرارا بتأسيس مجلس أعلى للآثار، ليكون مرجعية تحدد ماهية الأثر من عدمه في المواقع، وأن تكون هذه المرجعية مكونة من خبراء في علم الآثار”.

وفي المقابل يرى سعد محمود وهو صاحب أرض زراعية في المنطقة أن على السلطات وضع حلول لقضية أصحاب الأراضي في محيط المدينة الأثرية.

ويوضح قائلا “يطالبوننا بوقف استخدام أراضينا الواقعة في محيط الآثار بدعوى أن آثارا غير مكتشفة مدفونة تحتها (…). هذه أرضنا ولكل شخص الحرية في استغلالها”.

ويشدد على ضرورة منح تعويضات لأصحاب الأراضي حتى يتمّ إنهاء هذه القضية.

ويقول “على الدولة وضع الحلول المفقودة وتعويض أصحاب الأراضي بما يتوافق وارتفاع الأسعار الذي جعل شراء أراض بديلة صعبا”.

كما يطالب بوضع مخطط يوضح للمواطنين المواقع المحتملة للآثار المدفونة، “لكي ينتبه المواطن ولا يتسبب دون قصد في أعمال حفر عشوائية تدمّر الآثار”.

20