التخلي عن المالكي والتمسك بالأسد

السبت 2014/08/16

يغري الحدث العراقي باستحضار مقارنات مختلفة مع نظيره السوري. مقارنات تبدأ من سرعة التطورات في العراق مقابل الهدوء في سوريا، وبتخلّي إيران عن رأس النظام العراقي وتشبثها بالأسد في سوريا، مرورا بانتعاش خطاب “التدخل الإنساني” لإنقاذ المدنيين في العراق، مقابل بلادة الأحاسيس الإنسانية تجاه إبادة السوريين، وأخيرا المسارعة الأميركية إلى تسليح الأكراد والجيش العراقي من أجل التصدي للدولة الإسلامية، مقابل بيع الأوهام لثوار سوريا على مدى أربعة أعوام.

وبصرف النظر عن تعنت رئيس الوزراء العراقي “السابق” نوري المالكي في تسليم السلطة، وعدم رضوخه لتكليف حيدر العبادي كخلف له، لكن المسلم به أن إيران، صاحبة النفوذ والسلطة الفعلية في العراق، قد تخلت عنه بمرونة لم نعدها مع حليفها السوري بشار الأسد الذي تواصل دعمه حتى اليوم.

قد يكون فشل المالكي في الحفاظ على المصالح الإيرانية في العراق هو ما أدى إلى التخلي عنه. فلولا اندلاع ثورة شعبية هددت بسقوط حلفاء إيران في بغداد، ولولا انفلات تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على أراض شاسعة في العراق، لما تخلت إيران عن نوري المالكي، ولواصلت دعمه كما كانت تفعل على امتداد السنوات الماضية. ربما يبدو الأمر بديهيا كما بدا في مصر وتونس واليمن، حيث يتخلى الداعم الدولي أو الإقليمي عن رأس النظام القائم، لتجاوز ثورة شعبية قد تطيح بالطبقة السياسية الحاكمة المرتبطة بمصالح أوسع من مصالحها الذاتية الضيقة.

اعتادت أميركا القيام بذلك بمرونة كبيرة اكتسبتها تاريخيا من الخبرة المتراكمة في التلاعب بالأنظمة الحليفة وقت الأزمات، ودحرجة رؤوسها عندما يلزم الأمر كما حدث في مصر وتونس واليمن، وحتى ليبيا بصورة ما. الغريب أن تفعل إيران ذلك، وهي التي أظهرت عنادا إجراميا في سوريا، وبقيت رافضة لتنحي الأسد مهما تهددت “وحدة وقوة البلاد” التي تذرعت بها لتنحية المالكي.

من بين أسباب عديدة، تبرز طبيعة النظام السوري كعامل حاسم دفع الثورة السورية باتجاه مسار تطورها الإجباري الذي نعيشه اليوم، وأفشل كل الحلول السياسية التي تتطلب خروج الأسد من السلطة.

وليس المقصود بطبيعة النظام السوري، طائفيته المبطّنة، أو استخدامه للطائفية كأداة تحكم وهيمنة وهو ما قام به طيلة أيام حكمه وخصوصا بعد اندلاع الثورة، فنظام نوري المالكي كان صريحا في التحريض والشحن الطائفي. لكن النظام السوري حقق أفضل المكاسب من الطائفية بسبب امتلاكه لبنية فريدة في التسلط، لارتباط مؤسسات الدولة بالعائلة الحاكمة. سيطر النظام السوري على كل الفضاء العام، لم يمنع تداول السلطة فقط، كما فعل نظراؤه في مصر وتونس واليمن وحتى في العراق، بل منع نشوء أحزاب سياسية، وأجهض كل محاولات المثقفين وما تبقى من السياسيين لمراكمة العمل السياسي ولخلق ثقافة احتجاج لدى السوريين.

يثب يوما بعد آخر، أن للنظام السوري تكوينا يعجز عن الدخول في تسويات تحت أي ظرف، وينزع إلى الحرب الشاملة على أي فئة تتطلع إلى إجراء تعديل ما في طريقة حكمه لها. والتكوين المشار إليه هو ما يدفع الأسد لعنادٍ لا يمكن تذليله كما حدث مع عناد المالكي الذي أمكن تجاوزه من قبل القوى المكونة للنظام العراقي والداعمين الدوليين والإقليميين. وربما، لو أتيحت للمالكي بنية شبيهة ببنية النظام السوري لما أمكن تنحيته، ولدعمت إيران بقاءه، وأبعدت جميع البدلاء المحتملين له ولأصبح شعار “المالكي أو نحرق البلد”، على لسان المؤيدين وجميع الأحزاب السياسية الشيعية والمراجع الدينية.

أما المسارعة إلى تسليح الأكراد والجيش العراقي فتبقى مفهومة، إذ تأتي في سياق تمتين دعائم الحليف الذي يسيطر على البلاد، وذلك لتجنب انهيار نظام حكم مركزي و”عقلاني”. وتتبع أميركا الإستراتيجية ذاتها في سوريا، إذ تعمل للحفاظ على نظام حكم مركزي و”عقلاني”، ولن يتحقق ذلك بدعم مجموعات هلامية غير ممركزة ولا تدين لها بولاء صلب تدعى مجازا “الجيش السوري الحر”. يتحقق ذلك فقط بمنع السلاح عن تلك المجموعات المشكلة من “فلاحين وصيادلة وأطباء” حسب تعبير الرئيس الأميركي، والحفاظ على النظام السوري بنسخة معدلة تكون “العقلانية” جوهرها.


كاتب فلسطيني سوري

9