التخلّص من إيران خدعة بوتين لترامب

حرب كلامية مرشحة لتكون عسكرية، وموسكو توهم الرئيس الاميركي بالضغط على طهران.
الأربعاء 2018/07/25
توافق ملغوم

لندن – اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أسبوع فقط من عقده قمة هلسنكي مع نظيره بوتين والتي قد تغيّر خارطة موازين القوى في العالم، إعادة إثارة الملف الإيراني بتوجيهه تهديدا شديد اللهجة للرئيس الإيراني حسن روحاني بمطالبته بالكف عن تهديد الولايات المتحدة مرة أخرى لأنه قد يعاقبه على ذلك ليس بالوعيد ككل مرة بل عسكريا أيضا.

ويأتي تصعيد ترامب الذي يخوض حروبا بالجملة، متعددة الأبعاد عقب تأكيد الرئيس الإيراني -تزامنا مع عقد قمة هلسنكي التي يبدو أن من أهم مخرجاتها إخراج إيران من سوريا- أن السياسة العدائية الأميركية تجاه طهران قد تؤدي إلى “أم الحروب كلها”.

وواصل ترامب حربه الكلامية ضدّ طهران، بتأكيده الأحد أن روحاني قد يجني على نفسه وعلى بلده إن هدد أميركا مرة أخرى لأنه قد تتم مواجهته بحرب لم تختبر سوى في مرات قليلة على امتداد تاريخ البشرية.

ويرجع العارفون بخبايا السياسة الدولية، حماسة ترامب ومروره هذه المرة من مرحلة التهديد الكلامي لطهران، إلى مرحلة كشف نواميس مخططاته التي قد تكون ربّما عسكرية أيضا إن لزم الأمر للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة وخاصة في سوريا التي تظلّ دائما كابوسا يرعب أصدقاء الرئيس الأميركي من الإسرائيليين إلى تطمينات تلقاها من نظيره الروسي بوتين مفادها التنازل عن بقاء إيران في سوريا مقابل، المحافظة على نظام بشّار الأسد.

ورغم أن جميع الأطراف المتداخلة في الملف الإيراني، تنسجم مع الموقف الأميركي المتشدد حيال إيران، التي تواصل عبر سياساتها إرباك منطقة الشرق الأوسط بتدخّلها في الملف السوري عبر نشر المئات من قوات الحرس الثوري على أراضيها أو عبر أعمالها الإرهابية والعدائية في الملف اليمني ومواصلة إمدادها لميليشيات بأسلحة وصواريخ باليستية،إلاّ أن بعض المحللين ألمحوا إلى أن مردّ تهور ترامب بشأن الملف لا يخرج عن دوائر وقوعه في خدعة روسية يصعب فكّ رموزها.

كيف يمكن لروسيا إخراج إيران من سوريا في ظل علاقة عضوية وثيقة بين نظام بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني؟

ويعتبر الكثير من الملاحظين أن ّ تطورّ نسق الحرب الكلامية بين ترامب وروحاني من جهة، وبين الإدارة الأميركية والمرشد الإيراني علي خامنئي من جهة ثانية، أججتها العديد من التقارير الإخبارية الروسية حتى قبل قمة هلسنكي، والتي أفادت بأن الخائف الأكبر من القمة هو إيران المنخرطة في كل الحروب التي دمّرت المنطقة.

وقبل يومين من القمة، يبدو وفق الملاحظين أن الرئيس الأميركي دخل المفاوضات مدججا بما كشفته صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” التي قالت إن العلاقات بين موسكو وطهران شهدت تدهورا كبيرا في الفترة الأخيرة بسبب الملف السوري.

ووفقا للعديد من الخبراء الأميركيين، فإن الكرملين يُعد أهم معارض لمسألة بقاء القوات الموالية لإيران في سوريا، خاصة في فترة ما بعد الحرب، وهو ما يجعل موقف موسكو أكثر تقاربا مع موقف البيت الأبيض.

موسكو تخادع واشنطن

وفي نفس السياق، يبدو أن ترامب وضع ثقته كاملة في ما روجت إليه تقارير روسية بأن الوضع في سوريا لا يزال بحاجة إلى بذل جهود كبيرة من قبل اللاعبين الدوليين المشاركين في هذا الصراع، بإشارتها إلى أنه على الرغم من انتهاء الحملة العسكرية ضد داعش فإن مسألة النفوذ الإيراني تمثل قضية رئيسية عند التطرق إلى مسألة التسوية في ما بعد الصراع.

وتدعمت هذه النظرة وفقا للتصريحات الأخيرة للقيادة الروسية، التي أوحت للإدارة الأميركية بأن كفتها بدأت تميل للانخراط في الضغط على طهران. وأيضا لتوجه روسي ملغوم كان قد أكده مبعوث موسكو إلى دمشق ألكسندر لافرينتيف، والذي قال قبيل عقد قمة هلسنكي “يجب أن تغادر جميع الأطراف الأجنبية الأراضي السورية. ويشمل ذلك الأميركيين والأتراك وحزب الله، وبالطبع، الإيرانيين”.

وفي خطوة مخادعة، مثلما يصف ذلك المراقبون، حملت الزيارة التي قام بها مبعوث الرئيس الروسي لسوريا، ألكسندر لافرينتيف، إلى العاصمة الإيرانية طهران، بعد ثلاثة أيام فقط من قمة هلسنكي، مؤشرا على أن روسيا بدأت بتطبيق ما يخصها من الاتفاق الذي حصل بين بوتين ونظيره ترامب، بشأن وجود القوات الإيرانية في سوريا.

ورغم تضارب الأنباء عن فحوى الزيارة، فإن زيارة لافرينتيف إلى طهران الذي كان من ضمن طاقم التفاوض الروسي خلال قمة هلسنكي جعل الحدث مرتبطا بما جرى الاتفاق عليه بشأن إيران، وهو ما يعطي، وفق مراقبين، استنتاجات مفادها أن ترامب قد يظل في علاقة بالملف السوري وتحديدا بشأن النفوذ الإيراني، رهين مواقف وتصورات بوتين.

ومن الملاحظ أن موسكو أحسنت توظيف الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإعادة التموقع في علاقتها مع إيران، إلا أنها لم تجد أو لا ترغب في البحث عمّا يكفي من الحجج لإقناع الرئيس الروسي بأن بقاء الحرس الثوري في سوريا غير مرغوب فيه من دول المنطقة ومن الإدارة الأميركية على حد السواء.

ورغم أن كل كواليس القمة، تشير إلى تسريبات مفادها أنه تم الاتفاق بين ترامب وبويتن على دعم سيطرة بشار الأسد على سوريا في مقابل إنهاء النفوذ الإيراني، فإن الكثير من التحليلات تؤكّد أن موسكو لن تضحي بأهم حليف في المنطقة لإرضاء مزاجية ترامب الذي يخوض حروبا ضدّ الجميع .هنا،تشير الكثير من التقارير إلى أن الكرملين نجح في مغالطة الجميع بما في ذلك طهران التي أصبحت بدورها تتحدّث بإطناب عن وجود اتفاق أميركي- روسي مرتبط بالوجود الإيراني كأمر واقع، وهو ما تشير إليه باستمرار وكالة إرنا الإيرانية في تقاريرها اليومية.

موسكو لن تضحي بأهم حليف في المنطقة لإرضاء مزاجية الرئيس الأميركي ترامب الذي يخوض حروبا ضدّ الجميع

من جهة أخرى، فإن التطورات الحاصلة راهنا في علاقة الأميركان بالروس، لم تكن أيضا بمعزل عن لقاء، دام ساعة وخمسا وثلاثين دقيقة جمع بوتين بترامب على هامش قمة العشرين بألمانيا وكان كفيلا بأن تنبثق عنه مخرجات لم تقدر سلسلة مؤتمرات أستانة وجنيف للسلام في سوريا من أهمها وقف شامل لإطلاق النار في جنوب سوريا والحد من نفوذ طهران. وتتأتي هذه الإيحاءات بوجود اتفاقات أميركية- روسية عقب فترة شهدت سقوط قذائف على الأراضي المحتلة جراء المعارك بين النظام المدعوم من إيران والمعارضة المسلحة في القنيطرة، وهو ما استدعى من الجيش الإسرائيلي استنفارا على الحدود، وقصفه مواقع لقوات النظام على اعتبار أنها مصدر هذه القذائف.

ترامب سجين قرارات بوتين

وفي سياق الحديث عن قمة هلسنكي، يبدو أن ما بقي خافياً وسراً بين ترامب وبوتين بشأن إيران تحديدا خاصة وأن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي الإيراني، قد زاد من حجم الشكوك لدى أقطاب الإدارة الأميركية؛ جمهوريين وديمقراطيين، وعمّق الانقسام بينهم، بل وأدخل الجمهوريين في حالة من الحرج بتأكيدهم أن رئيس بلادهم وقع في فخ الخدعة الروسية في أهم الملفات الشائكة المتعلقة بلجم أفواه الإيرانيين والحد من نفوذهم في الشرق الأوسط.

وبالنظر إلى حيثيات القمة وتصريحات ترامب وبوتين، فإن الكثير من المحللين الأميركيين باتوا يصفون ترامب بأنه سجين قرارات بوتين المتهم من قبل الديمقراطيين بمساعدة ترامب على الوصول إلى سدة الحكم عقب التجسّس على منافسته هيلاري كلينتون، علاوة على الجدل الدائر حول شخصية رئيس الولايات المتحدة الذي تلاحقه التحقيقات منذ عام 2016. ويدعم الكثير من المحللين فكرة وقوع ترامب في فخ الإدارة الروسية بتأكيدهم أن روسيا بوتين تقدم منذ فترة تعهدات وضمانات لأكثر من طرف في سوريا لكن دون الالتزام بها.

ومن أهم أحد أهم البنود في قمة هلسنكي كان طلب ترامب الصريح بإخراج إيران من سوريا.

ويتساءل الكثير من الأميركيين عقب قمة هلسنكي، كيف يمكن لروسيا إخراج إيران من سوريا في ظل علاقة عضوية وثيقة بين نظام بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني؟

وترتكز تصورات الرافضين لاقتراب ترامب من بوتين على تعلة أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني هو الذي ساهم بشكل كبير في طلب التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية، لإنقاذ قوات الأسد التي كادت تنهار من دون هذا التدخل.

في نفس التوجّه يعتقد قادة رأي العديد من الدول العربية المتضررة من نفوذ إيران في المنطقة أن طهران لن تخرج من سوريا لأن تمددها في سوريا والعراق ولبنان تم بسبب ضعف السلطات المحلية في هده البلدان  وخاصة لعدم تمكن السياسة الأميركية في عهد أوباما من دعم المواجهة العربية لهذا التمدد.

6