التخويف من عيد الأم

الجمعة 2014/03/28

تكشف الإحصائيات الرسمية عن أعداد مرعبة لقضايا عقوق الوالدين، التي بلغت العام الماضي 1500 قضية في باحة المحاكم، والأكيد أن الأعداد التي لم تصل إلى المحاكم أكبر بكثير، وتحمل كل منها قصة مخيفة عن عقوق الوالدين.

المفارقة في نشر هذه الإحصائيات تزامنها مع يوم الجمعة الفائت 21 مارس الذي يوافق عيد الأم، وما يصاحب هذا اليوم كل عام من تحذيرات بعدم الاحتفال بالأمهات لأننا كمسلمين لدينا عيدان، هما: عيد الفطر وعيد الأضحى.. مما يفرض تساؤلات مهمة يأتي في مقدمتها هذا التخويف من الاحتفاء بالأم بقطعة كيكة أو هدية رمزية أو باقة من الزهور، هل هو أعظم ذنبًا من ولد يعقها أو يضربها أو يحوّل حياتها إلى جحيم لا يطاق؟

لماذا لا نأخذ القيم الجميلة من هذه المناسبات والتي لا تعني أن حب الأم لا يأتي إلا في هذا اليوم وهذا التاريخ تحديدًا، ولعظمة قدر الأم الذي لا يوازيه أحد تم تخصيص هذا اليوم لتفرح فيه الأمهات، فمجرد شعورها بأن ابنها يتذكر هذه المناسبة ويفاجئها بشيء جميل، هو بحد ذاته تجديد لعلاقة الأمومة وإيجاد مساحة من الفرح والسعادة التي، وللأسف، باتت تندثر في مجتمعاتنا العربية المثقلة بالهموم والألم والحروب وسيلان الدماء.

لماذا الخوف من قطعة كيكة وباقة من الزهور يقدمها الأبناء لأمهاتهم، ولا يوجد خوف ولا تحذيرات توازي الترهيب الحاصل من عيد الأم عندما يضربها ابنها ويعقها حتى وصلنا إلى مرحلة الشكاوى داخل المحاكم، مما يؤكد على بلوغ مرحلة عدم القدرة على التعايش ونفاد الصبر لدى الوالدين ما حدا بهما إلى الذهاب إلى الجهات الأمنية، فماذا يعني أن يذهب الوالدان إلى جهة أمنية لتقديم شكوى بحق ابنهما؟ فما من أب ولا أم يفعل هذا بابنه ويلجأ إلى هذه الجهات إلا بعد أن ضاقت بهما الحياة وتحولت إلى معيشة ضنكا.

لماذا نرفض كل القيم الجميلة من الغرب باسم الحرام، ونقبل منه التطور التكنولوجي والرفاهية والحياة المتقدمة والتي لولا الغرب ولبقينا قابعين في ظلامنا الدامس؟ لماذا نكذب ونؤلف القصص حول الغرب ونتهمه بعقوق الوالدين ونختلق حول علاقاتهم الأسرية شتى أنواع التضليل، وأكبر الأكَاذُيب حولهم أن أبناءهم لا يزورونهم إلا في يوم عيد الأم، مع أن واقعهم يؤكد أن أقوى علاقات الترابط الأسري لديهم، لكن بثقافة مختلفة تمامًا عن ثقافتنا وبنهج حياة مختلف عنا، فأبناؤهم يزورونهم ويعبّرون لهم عن حبهم وتقديرهم، أما ثقافتنا فهي تُلزمنا ببر أبائنا من باب التخويف والوعيد، فيبر الابن بوالديه ليفوز بالجنة، ويذهب إلى زيارتهما خوفًا من غضبهما عليه، وهنا الفارق، مع التأكيد أنني لا أقارن من باب الإعجاب أو التفضيل إنما لقراءة حالة اجتماعية فرضت نفسها على ذهني بعد مرور مناسبة عيد الأم، وإن كنا نتهم الغرب بالعقوق فها هي محاكمنا بدأت تغرق بقضايا العقوق- وما خفي أعظم- لذا فإن علاج قضية يحتاج إلى وقفة مع النفس ومصارحة بحال الواقع، ونقد الثقافة المحلية أنجع بكثير من نقد الثقافات الأخرى. فليس بالضرورة أن نُثبت للعالم أننا الأفضل بأن نُسقط غيرنا.


كاتبة صحفية سعودية

9