التخيّل الاصطناعي يمهد لثورة صناعية خامسة

قريبا.. روبوتات قادرة على التخيل والتفكير المنطقي.
الجمعة 2021/07/23
التخيّل عملية معرفية معقدة.. عمل للفنان فيليب غولبرت في صالة ثاتشي بلندن

كل العوائق والحواجز ستتهاوى الآن. وكل ما شاهدناه من تطور في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وحبس أنفاسنا حتى هذه اللحظة، سيبدو مقارنة مع ما توصل إليه فريق من الباحثين في جامعة جنوب كاليفورنيا، شيئا عاديا. نحن اليوم على أبواب ثورة سيشهدها الذكاء الاصطناعي تقرّبه من البشر وتمنحه ملكة الخيال. ولكن، لماذا كل هذا الاحتفاء بالتخيل الاصطناعي؟ هل التخيل أهم من المعرفة؟

خلال 50 عاما ونيف شهد العالم ثورتين صناعيتين. الأولى، يطلق عليها الثورة الصناعية الثالثة، أحدثتها الرقمنة والمعالِجات الدقيقة والإنترنت وبرمجة الآلات والشبكات، حدث ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين.

الثورة الثانية، تعرف الآن بالثورة الصناعية الرابعة، وهي التسمية التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا عام 2016 على الحلقة الأخيرة من سلسلة الثورات الصناعية، التي هي قيد الانطلاق حالياً. وانطلقت إثر الإنجازات الكبيرة التي حققتها الثورة الصناعية الثالثة؛ شبكة الإنترنت، وطاقة المعالجة الهائلة، والقدرة على تخزين المعلومات، والإمكانات غير المحدودة للوصول إلى المعرفة.

مَلَكَةُ التخيل

هذه الإنجازات تفتح اليوم الأبواب أمام احتمالات لا محدودة من خلال الاختراقات الكبيرة لتكنولوجيات ناشئة شاهدناها في مجال الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، مكنت من نسخ بعض سمات الذكاء البشري وبرمجته في الآلة، مثل التعلم وحل المشكلات. وهو ما يقوم الخبراء بتطويره منذ عام 1956. حيث تكللت الجهود البشرية بتصميم أنظمة ذكية تفكر مثل البشر (شبكات عصبية اصطناعية)، وتتصرف مثلهم (الروبوتات)، وتمتلك خبراتهم (أنظمة خبيرة)، بل وتتصرف أيضا بعقلانية.

الخيال الذي دفع هوميروس لكتابة الإلياذة هو نفسه الذي دفع أينشتاين لاكتشاف قانون النسبية ودفع إسحاق نيوتن للصراخ “وجدتها”

ألا يكفي كل هذا، وهل هناك ما يمكن أن يضاف؟

الخبراء يعتقدون أن رحلة الإنسان مع الذكاء الاصطناعي لن تكتمل إلا مع امتلاك الروبوتات القدرة على التخيّل. وهذا ما حدث مؤخرا، بإعلان فريق علمي عن تحقيق اختراق مكنهم من إضافة قوة أخرى للذكاء الاصطناعي، منحته ملكة التخيّل.

قبل أن نمضي بعيدا، دعونا نفرّق بين رؤيتنا للأشياء وبين تخيلها. رؤية الشيء تمكننا، مثلا، من التمييز بين أنواع الكائنات وأشكالها وألوانها أي بين ما هو موجود فعليا. بينما في عملية التخيل يتم تنشيط الخلايا العصبية في دماغنا لتوليد اختلافات لونية لجسم معروف؛ يمكننا من تصور شكل جديد؛ أو أفكار جديدة. الصورة التي نشكلها في عقلنا لقط برتقالي اللون هي نوع من الخيال.

وهو ما قام به فريق من الباحثين من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلس حيث نجح أعضاء الفريق في تزويد الذكاء الاصطناعي بقدرات على التخيل شبيهة بتلك التي يمتلكها الإنسان، تمكنه من تخيل كائن بسمات وصفات مختلفة.

الفكرة ثورية تمامًا، خاصة إذا علمنا أنه حتى الآن اعتمدت الشبكات العصبية العميقة وأنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا على خوارزميات لا يمكنها التعامل مع المعلومات الذاتية، مثل تلك التي نستخدمها عندما نتخيل قطا ملونا.

التخيّل، الذي بلغ أقصاه عند البشر بظهور السريالية، في الأدب والفن، لا يقتصر على الصور والألوان، بل هو عملية إبداعية فائقة التعقيد تسمح بتمثل الأشياء والأحاسيس والأفكار في العقل دون أن يكون لها دائمًا ارتباط في الواقع. إنها عملية معرفية معقدة تسمح لنا بالتفكير ومن ثم التنبؤ في الاحتمالات. على سبيل المثال، يمكننا تخيل العواقب المحتملة لقرار يتعين علينا اتخاذه.

ألبرت أينشتاين: الخيال أكثر أهمية من المعرفة.. إنه أصل الابتكار
ألبرت أينشتاين: الخيال أكثر أهمية من المعرفة.. إنه أصل الابتكار

ولإدراك أهمية النتائج التي توصل إليها الفريق دعونا نستعيد ما قاله ألبرت أينشتاين عام 1929 إن “الخيال أكثر أهمية من المعرفة”. لكن أينشتاين لم يتخيل حتما أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أيضًا تحقيق هذا الإنجاز، كما هو حال العقل البشري.

وفي حين أن المعرفة محدودة ومقتصرة على معلومات مخزنة مسبقا، فإن الخيال لا حدود له، ويمكن أن يشمل أيّ شيء، وهو الأساس لكل الفرضيات العلمية. وهو أيضا الأساس للمنطق.

ما كان للعالم أن يكون على ما هو عليه لولا الخيال. أليس الخيال هو ما دفع ماجلان وكريستوفر كولومبس على القيام برحلاتهما التي مهدت لاكتشاف العالم؟

الخيال الذي دفع هوميروس لكتابة الإلياذة هو نفسه الذي دفع أينشتاين لاكتشاف قانون النسبية، ودفع إسحاق نيوتن للصراخ: وجدتها.

باستخدام أنظمة تستنبط البيانات، تمكّن الباحثون من تصور كائن وتغيير سماته في عملية مماثلة للخيال البشري. وقال جي يونهاو، من فريق البحث وطالب الدكتوراه في علوم الكمبيوتر في جامعة جنوب كاليفورنيا “لقد ألهمتنا قدرات التعميم البصري محاولة محاكاة الخيال البشري في الآلات”.

وأضاف جي “يمكن للبشر فصل معارفهم المكتسبة عن طريق السمات، على سبيل المثال الشكل، الوضعية، الموضع واللون، ثم إعادة تجميع هذه العناصر لتخيل كائن جديد. تحاول ورقتنا محاكاة هذه العملية باستخدام الشبكات العصبية”.

وكشف جي وأعضاء فريقه عن النتائج التي توصلوا إليها في دراسة نُشرت في مؤتمر دولي عقد في الـ7 من مايو عام 2021 حول التعلم. وأوضح الباحثون أن أنظمة الذكاء الاصطناعي احتاجت، حتى الآن، للتعرف على جسم مّا إلى سلسلة من الصور للجسم قبل أن تتمكن من إنشاء صور مماثلة جديدة لهذا الجسم.

إمكانيات غير مسبوقة

نقلة سيبدو معها الذكاء الاصطناعي بدائيا

لإنجاز عملية التخيل لا يكفي الذكاء الاصطناعي النظر في السمات المحددة للكرسي ليتمكن من خلالها من إنشاء نماذج جديدة. للتغلب على هذا القيد، بدأ الباحثون في استكشاف ما أطلقوا عليه “فك التشابك”. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إلقاء نظرة على بعض الصور النموذجية للكرسي، وفهم السمات الأساسية لتلك الكراسي، واستخدام هذه المعرفة لإنشاء كراس جديدة.

لقد أظهر التعلم العميق، بالفعل، أداءً وإمكانيات غير مسبوقة في العديد من المجالات، ولكن في الكثير من الأحيان حدث هذا من خلال التقليد السطحي، ودون فهم أعمق للسمات الذاتية التي تجعل كل كائن فريدًا، كما في إنشاء التزييف العميق عن طريق فصل حركات الوجه البشرية عن هوية الشخص.

لأول مرّة يطلق هذا النهج الجديد لفك التشابك إحساسًا جديدًا بالخيال في أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما أكد لوران إيتي، أستاذ علوم الكومبيوتر، ولأول مرّة تقترب تلك الأنظمة من “الطريقة التي يدرك من خلالها البشر العالم”.

 لشرح كيفية عمل هذه التكنولوجيا، أشار الباحثون إلى سلسلة الأفلام ترانسفورمر، وأوضح جي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي “يمكن أن تتخذ شكل سيارة ميجاترون ولون ووضع سيارة بامبلبي الصفراء وخلفية تايمز سكوير في نيويورك. والنتيجة ستكون سيارة ميجاترون بلون نحلة تسير في تايمز سكوير”.

باستخدام هذه التقنية، أنشأ الباحثون قاعدة بيانات لأكثر من 1.5 مليون صورة يمكن أن تساعد التطورات الخيالية المستقبلية في الذكاء الاصطناعي.

يمكن للشبكات العصبية الاصطناعية الآن إنشاء صور متعددة للسيارات من صور أنواع مختلفة من المركبات المضمّنة في هندستها المعمارية. يستخرج الذكاء الاصطناعي القواعد من بعض الأمثلة ويطبقها على مجموعة واسعة من نماذج سيارات غير معروفة سابقًا. ويمكنك تمثيل الموديلات الجديدة بأيّ لون ومن زوايا متعددة.

والنتيجة النهائية هي مشهد واقعي للغاية، وإن كان مزيفًا، لكائن غير موجود. وبالمثل، أوضح الباحثون، أن التطور الجديد يأخذ مجموعة من الصور النموذجية، بدلاً من عينة واحدة في كل مرة، كما فعلت الخوارزميات التقليدية، ويستخرج التشابه بينها لتحقيق “التعلم التمثيلي غير المتشابك، ثم يعيد توحيد هذه المعرفة لتحقيق صورة مركبة جديدة”، أو ما يمكن أن نسميه التخيّل.

تطبيقات لا متناهية

يعتبر الباحثون أن هذا النظام يؤدي نفس المهمة التي يؤديها العقل البشري عندما يتخيل قططا ذات ألوان مختلفة: استخدم الأنماط المعروفة (القطط والألوان) لدمجها بطرق غير متاحة (للنظام العصبي) واشتقاقها إلى صورة مجمعة قطة برتقالية.

جي يونهاو: قدرات التعميم البصري ألهمتنا محاكاة الخيال البشري
جي يونهاو: قدرات التعميم البصري ألهمتنا محاكاة الخيال البشري

على الرغم من أن الخيال الاصطناعي يعتمد على أفكار موجودة مسبقًا، يقول الباحثون إن هذا الإطار مشابه لكيفية استقراء البشر للمعلومات، وإن تطويره يمكن أن يكون متوافقًا مع أيّ نوع من المواقف تقريبًا، من خلال العديد من التطبيقات المحتملة.

ويأمل الخبراء أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي، بامتلاكها القدرة على تخيّل المجهول، أكثر عدلاً، وذلك بإزالة التحيزات الثقافية المتعلقة بالعرق أو الجنس. كما يمكن أن تساعد أنظمة مثل هذه الأطباء وعلماء الأحياء على اكتشاف المزيد من العلاجات المفيدة، وتصنيع أدوية جديدة مبنية من القدرة على تخيل الاحتمالات الناتجة عن خصائص الأدوية المختلفة.

ويعتقد الباحثون أن تزويد الآلات بالخيال سيساهم في إنشاء منظومة أكثر أمانًا؛ على سبيل المثال من خلال السماح للمركبات ذاتية القيادة بالتخيل وبالتالي تجنب السيناريوهات الخطرة التي لم تزود بها مسبقا.

إنها نقلة سيبدو معها الذكاء الاصطناعي، كما عرفناه حتى اليوم، بدائيا.

حجم الأثر الذي سيحدثه التخيّل الاصطناعي على العالم متروك لخيالكم.

12