التداوي بالكتابة والفن

الثلاثاء 2014/08/05

تحضر الكتابة كوسيلة للتطهّر والتداوي والاستشفاء، وهي المتنفّس الذي ينقل عبره الكاتب رسالته للآخرين، ويساهم في التخفيف من قلقه المتعاظم بحكم ما يشعر به من مسؤولية تلقى على عاتقه. ولا تكتفي الكتابة بكونها دواء للكاتب نفسه، بل قد تصبح محرّضا للآخرين أيضا على اقتفاء آثار السابقين أو الشخصيات المؤسطرة ومحاكاتها والخروج من قواقع الواقع وقيوده المكبّلة.

بعيدا عن البحث في تعريفات مدرسيّة للكتابة، فإنّ الكتابة تتجلّى كتحليق في الأعالي، وبحث عن القيمة المنشودة والذات المبدّدة وسط طوفان القهر المجتاح. وكثيرا ما تغدو الآداب والفنون مرايا يجسّد من خلالها مبدعوها قوة الإرادة الكامنة في داخلهم، والتي تمنحهم الأمل والتفاؤل، دون أن يرتكنوا إلى نزعات القنوط والعجز، بحيث يتمّ استغلال القوى المتوفرة للاستعاضة عن الجانب المفقود، ويشدّ بذلك من أزر الذات ويفسح المجال للرغبة الإنسانية في الظهور بأسمى حالاتها وأروعها.

يحفل تاريخ الأدب بحالات قهر فيها أصحابها المستحيل، وتحدّوا الظروف السيئة التي يعانون منها، واستطاعوا الانتقال إلى ضفة الهناء بقوة إرادتهم الكامنة، بحيث أنهم لم يفسحوا أيّ مجال لليأس كي ينال منهم ومن عزيمتهم، ويعطل طاقاتهم ويوقفهم عن الحركة والسعي. ولعل أبرز الحالات التي قد تخطر على البال في العقود السابقة، حالة الأديبة هيلين كيلر التي وصفت بأنها معجزة القرن، وكانت الصماء العمياء البكماء التي اخترعت لغتها الخاصة للتواصل والإبداع وإثبات كينونتها وجدارتها في الإبداع. كما يمكن تذكر آخرين قهروا الظلام، ولَملموا أشلاء أرواحهم المتشظية جراء الهدر الذي طالهم، وأثبتوا كفاءة للبقاء والاستمرار.

يمكن في هذا السياق تذكّر عدّة حالات طوّع أصحابها العاهة وتغلّبوا عليها بالكتابة، كالروائي الروسيّ روبين غاليغو في روايته "بالأبيض على الأسود" التي تعكس سيرته في تحدي العاهة والتفوق على الذات، وكذلك رواية "قدمي اليسرى" للإيرلنديّ كريستي براون (دبلن 1932-1981). كما يمكن الاستشهاد بمذكرات الصحفي الفرنسي "جان دومينيك بوبي" التي اقتبس المخرج جوليان شنايبل منها فيلمه الشهير "بدلة الغوص والفراشة".

حين يؤمن المرء بقدرته وطاقته الكامنة في داخله، ويثق بنفسه فإنّه يحوّل الهزيمة إلى انتصار، ويكمن الانتصار في التغلّب على اليأس بداية، ثمّ القرار بالقيام بدور مؤثّر، والتعبير عن الحالة بالكتابة، لتكون تلك الكتابة جسرا إلى الذات والآخر، ونقطة تحوّل هامّة في تاريخ الكاتب، وربّما علامة فارقة في تاريخ الأدب، كحال المعرّي وطه حسين وهيلين كيلر وغيرهم ممّن آمنوا بقوّة الإنسان وأبدعوا سطورا خالدة.


كاتب من سوريا مقيم في لندن

15