التدخلات الأمنية في مصر تنسف فرص بناء الثقة بين السلطة وخصومها

الاعتداء على قيادات الحركة المدنية يثير شكوكا في جدوى الحوار بين القوى المختلفة.
الخميس 2018/06/07
هامش الحركة يضيق

القاهرة – اقتحم مجهولون مساء الثلاثاء إفطارا أقامته الحركة المدنية الديمقراطية (المعارضة) في النادي السويسري، شمال محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة، وقاموا بالاعتداء على الحاضرين الذين تعرض عدد منهم لإصابات متفاوتة.
ويأتي الاعتداء الذي لا يعرف حتى الآن من يقف خلفه، بعد أيام قليلة من كلمة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أمام مجلس النواب خلال تنصيبه رئيسا لولاية ثانية، أعرب فيها عن اهتمامه بخلق مساحة مشتركة مع المختلفين معه باستثناء من اختار الإرهاب نهجا.
وكان الحشد يضم قيادات معارضة ووزراء وسفراء سابقين ورؤساء أحزاب، وأساتذة جامعيين وكتابا وصحافيين من مشارب مختلفة، اجتمعوا حول مأدبة إفطار دعت إليها الحركة المدنية، وسرعان ما انفض اللقاء قبل أن يبدأ بعد هجوم العشرات من “البلطجية” عند أذان المغرب وقاموا بإلقاء الطعام على الأرض وسرقة بعض الأغراض والحقائب والاعتداء على الحضور.
واتهمت قيادات الحركة الأجهزة الأمنية بالوقوف وراء الحادث، الذي بدا متعمدا لإفساد اللقاء. وهو ما أكده عضو الحركة المدنية الديمقراطية مصطفى كامل السيد لـ”لعرب” قائلا “اللقاء كان اجتماعيا وليس سياسيا، وحاولنا دعوة شخصيات عامة من خارج الحركة بهدف توثيق الصلات، بجانب نية الاستماع للشخصيات التي لا تنتمي إلى الحركة لمعرفة رأيهم في تفعيل ما جاء في خطاب الرئيس السيسي من ترحيب بالتنوع، وبحث كيفية إدارة حوار وطني يرسم خطة الإصلاح السياسي خلال الفترة المقبلة”.
ووصف جورج إسحق، القيادي بالحركة وعضو مجلس حقوق الإنسان (رسمي) الحادث بأنه ينسف أي حديث عن قبول الآخر والاختلاف ما دامت اليد العليا للأجهزة الأمنية تمسك بإدارة الملفات السياسية، ما يقطع الطريق على الحوار.
واعتبر محمد سامي رئيس حزب تيار الكرامة الحادث “فعلا همجيا وغير أخلاقي مدبرا”. وقال لـ”العرب”، “لم يصادفني خلال عملي السياسي مثل هذا الموقف”، لافتا إلى أن اجتماع رموز العمل الوطني “يصيب الحكومة بالقلق”.
وعلق القيادي بالحركة حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق (غاب عن اللقاء) قائلا “هجوم بلطجي على إفطار الحركة المدنية الديمقراطية، يفضح سلطة مستبدة تجردت من العقل والأخلاق، تداري ضعفها بعنفها”.
وتحكم الأجهزة الأمنية في مصر سيطرتها على المشهد العام، عبر فرض قيود وملاحقات مستمرة ضد أي حراك أو كيان معارض، بجانب تعقب واحتجاز كوادر تنتمي لقوى سياسية فاعلة.
ويرى خالد داوود، رئيس حزب الدستور، والقيادي بالحركة المدنية، أن هذه الواقعة رسالة ترهيب واضحة وصريحة للمعارضين ليكفوا عن أي محاولات للالتفاف حول أي مشروع سياسي، لقد “وصلنا إلى مرحلة غير مسبوقة من الانحطاط في الخصومة السياسية، وهذه علامة بسيطة على تدهور الحريات في مصر”.
وروى داوود ما حدث في الإفطار لـ”العرب” قائلا “نظمنا إفطارا في النادي السويسري، وفوجئنا بوجود منضدة يجلس عليها نحو 10 أشخاص ليسوا ضمن المدعوين، وافتعل رجل وامرأة مشاجرة، ثم شرعوا في تحطيم الطاولات وقذف الحاضرين بالأطباق وزجاجات المياه، وهم يهتفون يا خونة يا جواسيس.. ثم غادرت المجموعة المعتدية وكانت في انتظارهم سيارة، دون أن نتمكن من الإمساك بهم”.
ودعت الحركة المدنية الديمقراطية في يناير الماضي، الشعب المصري إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في مارس الماضي وفاز فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي بفترة ثانية.
واللافت أن فريد زهران، رئيس حزب المصري الديمقراطي، وأحد قيادات الحركة، كان ضمن ضيوف مؤتمر الشباب الأخير الذي أقيم الشهر الماضي بحضور الرئيس السيسي.
وأكدت مصادر سياسية، لـ”العرب” أنه جرى عقد لقاءات غير معلنة في مقر أحد الأجهزة السيادية، بين معاونين للرئيس السيسي وبعض شباب الأحزاب، بينهم الوفد ومستقبل وطن، وأحزاب محسوبة على المعارضة، مثل المصري الديمقراطي والدستور والعدل، لتفعيل الحياة السياسية الباردة وفتح أفق للعمل الحزبي واعتبار عام 2019 عام الأحزاب والإفراج عن بعض المعتقلين المنتمين لأحزاب معارضة، ورفض الحضور تيار الكرامة وغاب حزب التحالف الاشتراكي، وهما من أكبر الأحزاب اليسارية في مصر.
ولا تزال الحكومة المصرية لا تقيم وزنا للتعامل السياسي مع الأحزاب، وتحيل الأمر برمته إلى الأجهزة الأمنية. وشهدت السنوات الأخيرة زيادة في التضييق على الأنشطة الحزبية وتجميدا شبه تام للحراك السياسي.
ورغم دعوات الحوار التي تطلق من وقت إلى آخر، إلا أن الحياة الحزبية لم تخرج عن قبضة الأجهزة الأمنية. وأفسد هذا التعامل العلاقة بين النظام والقوى السياسية المختلفة معه، وضاعف من عدد معارضي الحكومة.
وتنظر الحكومة إلى المعارضين على أنهم “مجموعة من المتآمرين ضد الدولة، واستغلت الأجهزة الأمنية الحرب ضد الإرهاب في مصر للترويج لنظرية المؤامرة وإلصاق تهمة خيانة البلاد بغالبية أطياف المعارضة”.
ويرى البعض من المراقبين أن الحكومة تعمدت إسناد مهمة إدارة الملف السياسي لأجهزة الأمن، خشية تكرار سيناريو ثورة 25 يناير 2011، وتعتقد أن هذه الوسيلة كافية لعدم تكرارها وأداة ناجحة لإخماد أي احتجاجات مبكرا.
وتوعد الرئيس المصري في أحد أحاديثه أشخاصا أسماهم “أشرارا” يريدون العبث بأمن مصر، ويحاولون إعادة سيناريو 2011، قائلا “أنا مش (ليس) سياسي بتاع كلام، انتوا متعرفونيش (لا تعرفونني)”.
وتتهم قوى في المعارضة أجهزة الأمن بتوظيف سلاح البلطجة لترهيبها، وهو سيناريو سبق استخدامه مع المستشار هشام جنينة الذي هوجم من قبل مجهولين عقب إعلان دعمه لترشيح الفريق سامي عنان في الانتخابات الرئاسية الماضية. وحُكم على جنينة لاحقا بالسجن لسنة واحدة بتهمة نشر أخبار كاذبة، وألقي القبض على الفريق عنان.
وتشير واقعة النادي السويسري أخيرا، إلى أن الحكومة لن تسمح للأحزاب الرسمية بأي تجمع أو نشاط، وهي رسالة قوية تشي بأن هناك متابعة دقيقة لتحركات المعارضة، ولن يتم السماح لها بكسب أرض جديدة لممارسة نشاطها، بما يؤدي إلى استغلال الاحتقان المتولد عن زيادة الأزمات بسبب سياسات الإصلاح الاقتصادي القاسية التي تتبناها الحكومة حاليا.

2