التدخلات الأميركية المستمرة عبر ورقة الأقباط تستفز القاهرة

الجمعة 2016/12/30
الصيد في المياه العكرة

القاهرة – توالت الخميس، ردود الفعل الغاضبة، على مشروع القانون الذي تم تقديمه للكونغرس الأميركي، والمتعلق بالأقباط في مصر، ولم يقتصر الغضب على الأوساط السياسية، بل امتد ليشمل الكنيسة الأرثوذكسية في مصر.

وكان النائب الجمهوري في مجلس النواب، ديف تروت، قد قدم مشروع قانون تحت عنوان “قانون المساءلة المتعلق بالكنائس القبطية في مصر”، لمناقشته في الكونغرس المجتمع في دورته الـ114، وإحالته إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب.

وطالب المشروع وزير الخارجية الأميركي بمتابعة مدى التزام الحكومة المصرية بترميم الكنائس التي كانت قد وعدت بترميمها، في أعقاب أحداث عام 2013، كما تضمن منح محافظي المحافظات المصرية، مدة لا تتجاوز 4 أشهر، لحصول الأقباط على ترخيص الكنيسة التي يريدون بناءها، الأمر الذي اعتبره المصريون تدخلا سافرا وغير مقبول في شؤونهم الداخلية.

وأصدرت الكنيسة الأرثوذكسية في القاهرة، بيانا أعلنت فيه رفضها القاطع لمشروع القانون، وأكد البيان أن “الحكومة المصرية قامت بواجبها الكامل في إصلاح وترميم الكنائس بجهود وأموال مصرية، وأن الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار، ولا تقبل الكنيسة بالمساس بها”.

وأدان بيان للخارجية المصرية مشروع القانون، ورفض أي توجه لإمكانية خضوع السلطات المصرية لأي مساءلة من جانب أجهزة تشريعية أو تنفيذية أجنبية.

ووصف أعضاء في البرلمان المصري، المشروع الأميركي بالتدخل السافر وممارسة الوصاية على الأقباط في مصر، بل إن النواب المسيحيين، وعلى رأسهم النائبة ميرفت ألكسان مطر، أصدروا بيان شجب وإدانة للمشروع، وأشادوا بدور الجيش المصري في ترميم الكنائس والمباني التي تم إتلافها.

وأكد كمال زاخر، الممثل للتيار العلماني المسيحي في مصر لـ”العرب”، أن هناك بعض المشكلات التي واجهت الأقباط، خاصة في ما يتعلق ببعض حوادث العنف الطائفي والاعتداء على الكنائس، لكن هذه الأمور يجب حلها في إطار مصري داخلي، بعيدا عن أي تدخلات خارجية، باعتبار أن الأقباط ليسوا أقلية، وإنما هم جزء أصيل من المجتمع.

ويرى مراقبون أن إثارة قضية الأقباط من قبل الكونغرس في هذا التوقيت، لا تخدم العلاقات المصرية الأميركية، ولا بوادر الانفراجة والتقارب التي لاحت في الأفق بعد فوز الجمهوري، دونالد ترامب، برئاسة الولايات المتحدة، وتواري إدارة أوباما، التي اتسمت علاقات البلدين في وجودها بالتوتر والجفاء.

ولفتوا إلى أن تقديم مشروع القانون وإصرار الجمهوريين على مناقشته في يناير المقبل، يؤشران إلى احتمالية وجود فجوة كبيرة بين تصورات ترامب- الذي جاء من خارج الحزب- وبين أعضاء الكونغرس الجمهوريين.

وكان ترامب قد شدد على حرصه على كسب مصر وتعاونها في مواجهة خطر الإرهاب المتصاعد في المنطقة، وبدا هذا التقارب جليا في الإعلان عن إعجابه بالرئيس المصري ورفضه لسياسة أوباما تجاه القاهرة.

وفي الوقت الذي يتهم فيه مشروع الكونغرس الحكومة المصرية، بالتراخي في ترميم الكنائس المحترقة، ويتحفظ على قانون بناء الكنائس الجديد، باعتباره يفرض أعباء كبيرة تؤثر واقعيا على بناء الكنائس، تناسى المشروع أن قانون الكنائس تم إصداره من البرلمان المصري، بعد مشاورات وتوافق تام مع الكنائس المصرية.

ورأت نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في مشروع القانون، انعكاسا للازدواجية الأميركية، واستمرار اتخاذ ورقة الأقباط كذريعة للتدخل في الشؤون المصرية، والضغط على النظام المصري.

وأوضحت الشيخ لـ”العرب”، أن تقارير الخارجية الأميركية نفسها، كثيرا ما نفت وجود اضطهاد، أو تمييز ممنهج، ضد الأقباط، وحرصت دائما على توضيح أن هذا العنف المجتمعي، يمارسه البعض من الأفراد والتيارات الدينية المتشددة، من السلفيين والإخوان.

وقالت مصادر في القاهرة، لـ”العرب”، إن صيغة مشروع القانون تتسم بالغطرسة الشديدة، إذ كيف يطالب بإخضاع الحكومة المصرية لمساءلة ورقابة جهة تشريعية أجنبية، بينما لا يقبل الكونغرس ذاته تدخل أي دولة أجنبية، في قضية اضطهاد السود في الولايات المتحدة.

وطوال الوقت، شكّلت “ورقة الأقباط”، لغما في طريق العلاقات المصرية الأميركية، حيث تحاول واشنطن استخدامها لفرض الوصاية على مشكلات الأقباط، المتعلقة بحرية العبادة وبناء الكنائس وترميمها وممارسة الضغوط المستمرة على الحكومة المصرية، بينما ترفض القاهرة ذلك الضغط، كونه يمثل تدخلا في شؤونها الداخلية.

واعتبر عبدالمنعم المشاط، الخبير في شؤون الأمن القومي، أن استخدام ورقة حماية الأقباط في مصر، “مظلة” يختبئ تحتها الكونغرس، لتبرير الضغط الأميركي المستمر على الأنظمة المصرية المتعاقبة، لتطويع سياساتها نحو تحقيق المصالح الاستراتيجية الأميركية.

وأوضح المشاط الذي شغل منصب الملحق الثقافي لمصر في واشنطن، لـ”العرب”، أن الولايات المتحدة، تتسم بالبراغماتية، فهي ترفع شعارات الديمقراطية والحريات وحماية الأقليات الدينية، ومنها الأقباط، وتصدر سنويا تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الحريات الدينية في العالم ومنها مصر، لكن عندما يتعارض ذلك مع المصالح، فإنها تضحي غالبا بالقيم والحريات.

ولم يستبعد مراقبون، أن يكون أقباط المهجر المصريين، وراء هذا التحرك الأخير من الكونغرس، حيث يسعون دائما إلى تدويل قضية الأقباط، واستخدام تلك الورقة لتهديد النظام المصري.

2