التدخل الأجنبي: متى ينتهي وكيف يتم الانسحاب

الاثنين 2014/08/11
التدخل الأميركي في أفغانستان كانت تكاليفه مرتفعة

لندن - تثير التداعيات الأخيرة في العراق والاضطرابات الجارية في أفغانستان -وهما دولتان حظيتا بتدخلات أجنبية مكثفة- عدة تساؤلات حول ضرورة وضع حدّ للتدخّل المفرط للمجتمع الدولي في الشؤون الداخلية لبلد معين.

في مؤلّف عَنونه بـ”استراتيجيات الخروج وبناء الدولة”، قام أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد، ريتشارد كابلان، بتجميع سلسلة من 16 مقالا، حرّرها علماء وباحثون جامعيون، وتركّز مجموعة المقالات على مداخل التدخّل الأجنبي ومخارجه، أي الظروف التي تؤدّي إلى تدخل المجتمع الدولي في بيئات الصراع، ومن ثمّ ظروف انسحابها. ويعتبر المؤلف أنّ انسحاب المجتمع الدولي “لا يجب أن يُمثّل حدثا، بل ينبغي أن يتخذ شكل عملية انتقالية، كما هو الحال خلال أيّ انتخابات. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون الانسحاب مرتبطا ارتباطاً وثيقا ببداية التدخّل”، لأنّه “ينبغي أن تشمل كلّ استراتيجية دخول خطّة مسبقة عن استراتيجية الخروج”، على حدّ تعبير كابلان.

في غياب هذا التخطيط المسبق، تصعب صياغة استراتيجيات الخروج، كما أثبتت ذلك حالة ما بعد الصراع بكوسوفو، إذ تم نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كوسوفو دون موعد انسحاب محدّد وواضح أو استراتيجية مسبقة “في الأعقاب الفوضوية والعنيفة” لحملة القصف التي قادتها قوات حلف شمال الأطلسي، ولانسحاب الصرب من كوسوفو.

ولا يعني الانسحاب وضع حد مطلق لمساهمة المجتمع الدولي في بناء الدولة المعنية، فقد لعب الاتحاد الأوروبي دورا هاما خلال فترة بناء الدولة بعد انتهاء الصراع، في عدة دول في منطقة البلقان -مقدونيا، كوسوفو، كرواتيا، البوسنة والهرسك-، من خلال العمليات المنظمة لتسليم السلطة التي اعتمدها. وفي حالة البوسنة والهرسك، يلعب المجتمع الدولي، حتى هذه اللحظة، دوراً أساسيا في ضمان تماسك البلاد واستقرارها.

بناء الدولة يتطلب إعادة تقييم مستمرة لمختلف الجهات الفاعلة على المستوى المحلي

استنادا إلى نظرية ضرورة تجسّد الانسحاب الدولي في شكل عملية انتقالية، يشمل المؤلّف عدة دراسات تُثبت أنّ بناء الدولة يتطلب إعادة تقييم مستمرة لمختلف الجهات الفاعلة على المستوى المحلي. كما أثبت المثال العراقي أن القوات الأميركية لم تكن على علم شامل بهوية الجهات الفاعلة المحلية خلال غزوها للبلاد وإطلاقها لعملية بناء الدولة، ممّا أدّى إلى حرب طائفية دموية ومواجهات مضنية ومطولة مع المتمردين.

تلعب السياسة على المستوى المحلي والدولي دورا أساسيا ليس فقط في تحديد وتيرة استراتيجية الانسحاب، بل كذلك في استمرار المشاركة الفاعلة للتدخّل الأجنبي في بناء الدولة. ويُمثّل الملف العراقي مرة أخرى أحد أفضل الأمثلة على هذا الدور الحاسم للسياسة، فتحت وطأة الضغوطات -الداخلية والعراقية على حدّ السواء- التي انتقدت شرعية وجودها العسكري بالعراق، قرّرت الولايات المتحدة الأميركية تسليم السلطة إلى العراقيين في وقت أبكر مما حدّده المخططون العسكريون (مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ فترة الحرب قد تجاوزت بكثير التقديرات الأولية لمخطّطيها).

في نهاية المطاف، لا يجب أن تركز الدول على الأحداث المتفردة، بل على العملية الشاملة التي تكتنفها. ويلخّص كابلان الدراسة بقوله: “يجب أن نتحلّى ليس فقط بقدر أكبر من المرونة -أي توجّه واضح نحو نهاية بناء الدولة عوضا عن نهاية الفترات المحدّدة- ولكن كذلك لإدراك تامّ للأفق الطويل لمثل هذه التدخلات، ممّا يُخوّل لنا مقاومة إغراء الحلول السريعة”.

7